كريم مروة
مقدمة
مقالات
كتب و اصدارات
اعلام في الثقافة
ارشيف
للاتصال بنا
مقالات

لبنان إلى أين

محاولة رومانسية ذات أبعاد مستقبلية

في الإجابة عن أسئلة حقيقية، قديمة ومستحدثة

 

أسئلة الحاضر والمستقبل

يطرح الواقع القائم في لبنان على اللبنانيين جملة من الأسئلة ذات الطابع التأسيسي، بالنسبة إلى مستقبل بلدهم.  و يذكِّر هذا الواقع، والأسئلة التي يطرحها على اللبنانيين، بفترات سابقة في تاريخ لبنان، منذ تكونه في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحت إسم لبنان الكبير.  وكان لبنان الحديث هذا قد بدأ يتكون منذ مطالع القرن التاسع عشر، متخذاً بالتدريج شكل دولة لبنان الصغير في جبل لبنان، التي كرست فيما سمي بالمتصرفية.  وقد تم تأسيس المتصرفية في جبل لبنان، في أعقاب الأحداث الدامية التي حصلت في عام 1860.   وهي الأحداث التي أعقبت ثورة طانيوس شاهين الفلاحية في عام 1840.  وقد أطلق على تلك الأحداث، فيما بعد، اسم وصفة "الفتنة" التي قضت على تلك "الثورة".

قد يبدو هذا التذكير بتلك الأحداث التاريخية في غير محله بالنسبة إلى اللبنانيين، لكون الأكثرية منهم يعرفونها.  لكنني أحب أن أؤكد بأن غرضي من ذلك هو أولاً، تعريف من لا يعرف من الأشقاء العرب بهذه المعطيات التاريخية، وأن أساهم، في الوقت عينه، في إحياء الذاكرة الوطنية عند اللبنانيين، تمهيداً لما سيأتي من سجال سياسي في سياق هذا البحث حول مستقبل لبنان، انطلاقاً من هذا التاريخ ومن التباساته، وتجاوزاً للحاضر الحافل بالأزمات.

لن أدخل في تفاصيل الحقبات الصعبة التي تفجرت فيها، في شكل موسمي، الإنقسامات والصراعات في تاريخ لبنان الحديث، وتحوّل لبنان فيها إلى ساحة دائمة للصراع بين اللبنانيين.  وهو صراع كان للخارج فيه على الدوام دور كبير.  وقد تمحور هذا الصراع، قديماً وحديثاً، حول لبنان، وطناً ودولة ونظاماً سياسياً ومؤسسات دولتية، ومجتمعاً تعددياً ، متنوعاً في الثقافة وفي الأديان وفي المذاهب، وفي العقائد الدينية، وفي الأفكار وفي المدارس العلمانية، وفي التيارات السياسية، وفي امتدادات كل من هذه العقائد والأفكار والتيارات والثقافات ومرجعياتها في المحيط العربي والإقليمي وفي جهات العالم الأربع. 

لن أدخل في تفاصيل ومتاهات تلك الحقبات من تاريخ لبنان، القديمة منها في الزمن والحديثة منها في الأشكال وفي الشروط.  فهذه مهمة المؤرخين، باتجاهاتهم واجتهاداتهم وأهوائهم المختلفة.  لكنني سأنطلق، في الحديث عن مستقبل لبنان، من العناصر المشتركة في تلك الصراعات، ومن نموذجها الحديث في تاريخ لبنان المتمثل بالحرب الأهلية التي انفجرت في عام 1975 واستمرت خمسة عشر عاماً.  ولم ينس اللبنانيون التدمير الكبير الذي أحدثته تلك الحرب في البنى السياسية والإجتماعية وفي البنى الإقتصادية وفي العمران وفي كل ما يتصل بالحجر وبالشجر وبالطبيعة وبالبيئة.  وهو تدمير شوّه، إلى حد كبير، الطابع الجميل والفريد من نوعه للبنان، الذي تغنى به الشعراء منذ فجر التاريخ، شعراء لبنان والعالم العربي والعالم.  لكن أخطر أشكال التدمير التي أحدثتها تلك الحرب تمثل في تشويه الوعي لدى كثرة من اللبنانيين، الذين تعطل عندهم العقل على امتداد الحرب، وحلت محله الغرائز على اختلاف أنواعها.  وهو ما نشهد نماذج منه اليوم في هذا النوع من الحرب الأهلية، السياسية الطابع، أي من دون عنف مسلح، حتى إشعار آخر.  يضاف إلى هذا النوع من التدمير الذي طاول الوعي البشري، نزوع كثرة كبيرة من اللبنانيين إلى البحث عن حلول فردية للقضايا المتصلة بحياتهم.  فاختار الكثيرون منهم الهجرة إلى جهات العالم الأربع.  وكانوا في الأعم الأغلب من الكفاءات العلمية الشابة.  وهي هجرة لم تتوقف منذ الحرب الأهلية.  بل هي ازدادت في ظل الأوضاع القائمة، منذ السنوات الثلاث الماضية العاصفة، التي تعطلت فيها مؤسسات الدولة.  وزادت فيها الإنقسامات والصراعات السياسية والطائفية التي اتخذت أبعاداً إقليمية ودولية.  الأمر الذي بات يخلق عند الأجيال الشابة الإحساس بالقلق، إلى حدود ما يشبه اليأس، حول مستقبل بلدهم وحول مستقبل حياتهم في بلدهم.

في ضوء هذه  الصراعات، القديم منها والراهن، وانطلاقاً منها بالتحديد، سأحاول تظهير الأسئلة التي يطرحها على اللبنانيين هذا الواقع  القائم في لبنان.  فهي تشكل، بمعنى ما، امتداداً، في صورة جديدة، للأسئلة ذاتها التي رافقت تكوّن لبنان الحديث.  غير أن طابع الأسئلة الراهنة إنما يعبّر عن التراكم المتواصل الذي جعل الأزمة الراهنة للكيان اللبناني تتجاوز، بعمقها وبعنفها، كل ما اتصفت به الأزمات السابقة، حتى ولو لم تتخذ هذه الأزمة القائمة حتى الآن شكل حرب أهلية  مسلحة، مثلما حصل في النصف الثاني من القرن العشرين، أي بعد ما يقرب من ثلاثة عقود على حصول لبنان على استقلاله، وبعد ما يزيد عن خمسة عقود على تكونه كدولة تحت إسم لبنان الكبير، مع بداية الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.

لنضع الأسئلة الكبيرة المشار إليها في صيغتها الحقيقية من دون مواربة، لكي يكون بالإمكان البحث في إمكانية تقديم إجابات واقعية عنها، قدر المستطاع، آخذين في الإعتبار هذا الإنقسام العمودي الذي يفوق اليوم بحدته كل ما شهده لبنان في تاريخه الحديث من انقسامات سياسية، وانقسامات طائفية ومذهبية على وجه الخصوص، تعبر عنها تلك الإنقسامات السياسية. 

 

العناصر القديمة والمستحدثة

للمسألة اللبنانية

 

تتلخص هذه الأسئلة في قراءتي لها في ثلاث.

السؤال الأول يتعلق بتحديد المعنى الحقيقي والطبيعي للبنان، كوطن للذين يعتبرون أنفسهم لبنانيين بانتمائهم إليه.  هل هو وطن حقيقي وطبيعي بالنسبة إليهم؟  أم أنه ما زال وطناً مصطنعاً، بالنسبة إلى من ظلوا يؤكدون ، قبل حصول لبنان على الإستقلال وبعده، على طابعه المصطنع؟  والطابع المصطنع للبنان، في نظر هؤلاء قديماً وحديثاً، هو أنه تاريخياً، بحسب تعريفهم له، يشكل جزءاً من سوريا الكبرى، وأنه لا يملك "موضوعياً" مقومات الإستمرار مستقلاً عن سوريا، حتى ولو اتخذ من الناحية الدستورية طابع الدولة المستقلة.  وقد عبّر عن هذا التحديد للبنان في البدء ، كوطن مصطنع، حملة الفكر القومي العربي، الذين اعتبروا أن الوحدة العربية كانت قائمة في الماضي، وأنها آتية لا ريب فيها، في مستقبل قريب، وأن لبنان سيكون البداية "الطبيعية"  في تحقيقها، من خلال  اندماجه في صورة من الصور بالدولة السورية.  وكان آخر تحديد "دستوري" لتلك المقولة الخاصة بلبنان ما جاء على لسان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، حين أعلن أن الشعب السوري والشعب اللبناني هما شعب واحد في دولتين.

إلا أن هذا التحديد للطابع المؤقت، أو المصطنع، للبنان اتخذ في وقت لاحق عند ممثلي التيار الإسلامي، الذين تحدثوا عن وحدة الأمة الإسلامية، صيغة أخرى.  إذ اعتبر هؤلاء، في صيغ مختلفة، بما في ذلك في صيغة جمهورية إسلامية، أن لبنان سيكون جزءاً مكوناً من الأمة الإسلامية.  وكان ذلك في أواسط ثمانينات القرن الماضي.  ثم تراجعت فكرة "الجمهورية الإسلامية" بعد أن اقتنع أصحابها، وفي مقدمتهم حزب الله، كما تصورنا في ذلك الحين، أن الوقت لم يحن لطرحها، لأن الشروط كانت غير مؤاتية لذلك.  فطوي المشروع.  لكن هذه الصيغة الإسلامية القديمة للبنان تتخخذ اليوم أشكالاً جديدة في اللغة وفي الخطاب اللذين يعبران عنها.  وربما - أقول ربما تجنباً للقطع - يرمي بعض الحديث الغامض والحائر والملتبس عن تعديل اتفاق الطائف في هذه الأيام إلى كشف الغطاء عن المضمر في هذه المسألة، ولو بالتدريج.  ويتم التعبير عن ذلك، في قراءة متسرعة للمواقف، من خلال الربط في الخطاب السياسي، الربط المباشر أحياناً والربط غير المباشر أحياناً أخرى، بين الديمغرافيا والعقيدة الدينية والسياسة المتصلة بهما والمعبرة عنهما، من جهة، وبين ما هو وطني لبناني باسم المقاومة، وما هو قومي عربي وإسلامي، باسم القضية الفلسطينية، من جهة ثانية.  وهو الربط الذي يقوم على قاعدة أن الصراع، بأشكاله المختلفة، ضد إسرائيل ككيان غريب في المنطقة، وضد امتداداتها العالمية، الأميركية على وجه الخصوص، هو صراع وجود لا صراع حدود، وأن لبنان هو الساحة الرئيسية، إلى جانب فسطين، لهذا الصراع.  الأمر الذي يبرر، بالضرورة، وفق هذا المنطق، بقاء المقاومة الإسلامية في لبنان جاهزة لممارسة دورها الوطني اللبناني، ودورها القومي العربي، ودورها الإسلامي، في آن.  وهو صراع لا يقوم ولا تظهر مفاعيله، كما يقولون، إلا حيث تتوفر الشروط الطبيعية لممارسته.  وهذه الشروط لا تتوفر إلا في هاتين الساحتين تحديداً، لبنان وفلسطين، بالنيابة عن الأمتين العربية والإسلامية.  فهذا هو قدر الشعبين اللبناني والفلسطيني، كما يقول ويؤكد، من دون تردد، عدد من المثقفين العرب الكبار، ومعهم عدد من كبار المثقفين الديمقراطيين الأجانب، الفرنسيين والأميركيين على وجه التحديد.

في مقابل هذا الحديث عن  لبنان الكيان المصطنع، أو المؤقت، اعتبرت قوى سياسية عريقة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم  ممثلواليسار الشيوعي، أن للبنان جذوراً تاريخية، وأن له سماته الخاصة، وأنه كيان حقيقي وغير مصطنع، وأن اتفاق سايكس–بيكو السيئ الذكر  لم يقوض الوحدة العربية، التي لم تكن موجودة في الأساس قبل ذلك الإتفاق، في ظل السلطنة العثمانية، وإن هذه الوحدة العربية التي تطمح الشعوب العربية لتحقيقها هي، برغم الحاجة لها وبرغم المصلحة العربية المشتركة في قيامها، بعيدة المنال، لأسباب موضوعية وذاتية في آن.  وفي الواقع فإن اتفاق سايكس-بيكو إنما قضى بتقاسم الولايات العثمانية في المشرق العربي بين الدولتين الإستعماريتين، بريطانيا وفرنسا، بعد انهيار تلك السلطنة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى.  وكان لسايكس وبيكو شريك روسي قضت على دوره ثورة أوكتوبر الإشتراكية، التي كشف قائدها لينين ذلك الإتفاق ونبّه العرب إلى أهدافه الإستعمارية.  لذلك فإن كل الكيانات التي تشكلت في المشرق العربي، بموجب ذلك الإتفاق، هي متساوية في أوضاعها وفي طبيعتها وفي شروط تكوّنها، لا فرق في ذلك التكوّن بين سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، ربما باستثناء الأردن.  وللأردن قصة قديمة لا مجال للحديث فيها هنا، لا سيما أنها فقدت مع الزمن مبررات الحديث فيها وعنها. 

أما موقف الأحزاب المسيحية اللبنانية، ومعها البطريركية المارونية، فقد كانت تعتبر أن لبنان هو موطن المسيحيين الأوائل، قبل سواهم، ومعهم، وأنه، بين البلدان العربية، بلد له خصوصية، بعضها قديم قدم التاريخ، وبعضها ذو صلة بالعصر الحديث.  وتتمثل هذه الخصوصية، بنظرهم، في أن لبنان كان موجوداً منذ قديم الزمان، وأنه كان موجوداً بالفعل، منذ قرون عدة، وأنه كان في تاريخه الحديث قد تكوّن على أساس من التنوع الديني من طائفتين كبيرتين هما المسيحية والإسلام، وأن الوجود المسيحي فيه كان الأكبر، وأنه هو الذي أعطى لبنان في السابق، ويعطيه اليوم،  تلك السمة الخاصة، التي تميزه عن أشقائه في هذا العالم العربي الذي يتشكل من كثرة إسلامية طاغية.  وكان ميثاق الإستقلال المكتوب والعرفي تعبيراً عن هذه الخصوصية للبنان الواضحة بفرادتها.  وبهذه الخصوصية بالذات دخل لبنان، بعد نيله استقلاله، في الجامعة العربية كأحد البلدان الستة التي ساهمت في تأسيسها في عامي 1944 و1945.  إلا أن قادة سوريا، قبل الإستقلال وبعده، لم يعترفوا بتلك الخصوصية للبنان. وعبّروا عن موقفهم هذا بالتحفظ الذي أبداه  الوفد السوري على توقيع لبنان على بروتوكول تأسيس الجامعةفي عام 1944، بحجة أنه، أي لبنان، بنظره ونظر القيادة الجديدة لدولة سوريا المستقلة حديثاً، لم يتكوّن بعد كوطن وكدولة!  وهو ما رفضته البلدان العربية الأخرى المشاركة في ذلك الإجتماع التأسيسي للجامعة.  وظل قادة سوريا القدامى والجدد ينظرون إلى  لبنان كوطن موقت، أو كوطن مصطنع، مراهنين على الزمن الذي سيتم فيه إلحاق هذا البلد بدولتهم.

هذا السؤال القديم المتعلق بلبنان كوطن حقيقي أو مصطنع يتخذ اليوم صيغة جديدة، مختلفة في الشكل عن الصيغة التي طرح فيها في الحقبات السابقة المشار إليها.  فالوقائع الجديدة، التي يعيش لبنان اليوم في دوامة تفاقمها وفي تعقيداتها المستعصية على الحل، هي امتداد لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية خصوصاً، المرحلة التي أوكلت لسوريا فيها مهمة تثبيت السلم الأهلي.  فثبتته وفق مصالحها، وفي الإتجاه الذي كان يرمي إلى  تأبيد وصايتها على لبنان.  ومعروف أن سوريا، في وصايتها على لبنان بعد اتفاق الطائف، لم تحترم بنود ذلك الإتفاق.  بل هي عملت في الإتجاه النقيض له ولبنوده، في الجوهر وفي النص.  وساهم المسؤولون السوريون الذين كلفوا بتطبيق مفاعيل تلك الوصاية في تعميق الإنقسامات داخل المجتمع اللبناني، بين طوائفه ومذاهبه وأحزابه ومؤسساته الإجتماعية والثقافية.  بل أنهم عطلوا الطابع الديمقراطي الذي كان سائداً في النظام وفي مؤسساته.  وهي ديمقراطية كانت، برغم ما شابها من تشويهات، نموذجاً فريداً في المنطقة.  وكان يشير الموقف السياسي للقيادة السورية إزاء لبنان- وشاركتها في موقفها ذاك، بصيغ مختلفة، الأنظمة الإستبدادية الأخرى في المنطقة - كان يشير الموقف السوري إلى "ضرورة" إلغاء تلك الديمقراطية "المزعجة"، أو تعطيل وتشويه الطابع المميز لها، لكي يصبح لبنان، عملياً، جزءاً من نظام الإستبداد العربي السائد، ولو في شكل مختلف تراعي فيه "خصوصيته" في الشكل!  وكان ذلك التعامل السوري مع الوضع اللبناني، في ظل الوصاية، يؤسس، في شكل منظم، لمنع اللبنانيين من الإتفاق فيما بينهم، في ظل الإنقسامات القديمة والمستحدثة التي كانت تتفاقم، إلا بوصيّ عليهم من خارجهم.  وهذا الوصي القادر على فرض الحلول المستعصية، والقادر على حسم الخلافات القائمة والمؤهلة لأن تنشأ في صورة دائمة، هو سوريا، وليس غيرها بإطلاق.  وكان أبرز وأهم قرار اتخذته الوصاية السورية في ذلك الحين، لا سيما في مرحلة تأسيس المقاومة الإسلامية في أواسط ثمانينات القرن الماضي، يتمثل في العمل، بصورة مباشرة أحياناً وبالواسطة خصوصاً، لانتزاع المقاومة التي كانت قد تشكلت لمواجهة الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 من يد مؤسسيها اليساريين، الشيوعيين خصوصاً، ووضعها حصراً في يد حزب الله، المرتبط عضوياً بسوريا في السياسة، والمرتبط عضوياً بإيران في العقيدة باسم ولاية الفقيه، والمرتبط بها في السياسة أيضاً.  ومعروفة التفاصيل المأساوية، الكبيرة والصغيرة، المتصلة بهذا الأمر في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، التفاصيل التي لا أريد أن أنكأ الجراح القديمة من خلال التذكير بها.  وكان الهدف من حصر المقاومة في حزب الله، ومن استمرارها حصراً بقيادته في مرحلة النضال من أجل التحرير، يرمي، في صورة مضمرة، من قبل السوريين والإيرانيين، والسوريين خصوصاً، إلى خلق التباس متعمد  للمعنى الوطني من تشكيل جبهة المقاومة أساساً في عام 1982 بمبادرة من الشيوعيين، المعنى الذي كان يؤكد عليه الشيوعيون وأهل اليسار عموماً من أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، والذي يشير بوضوح إلى  الدمج الموضوعي بين وظيفة المقاومة المتمثلة بتحرير الأرض المحتلة، كمهمة محددة في الزمان وفي المكان، وبين الوظيفة الوطنية العامة لمكونات المجتمع اللبناني، وفي مقدمتها المقاومة، الوظيفة التي تقضي بمساهمة جميع اللبنانيين بعد التحرير في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، التي كانت الحرب الأهلية قد دمرتها.  ذلك أن بناء الدولة، بعد انتهاء الحرب الأهلية وبعد التحرير، كان، بالنسبة إلى أبطال المقاومة الأوائل، المهمة الوطنية التي لها الأولوية على كل المهمات، المهمة الدائمة والمتواصلة التي لا حدود لها في الزمان وفي المكان.  وغنيّ عن التأكيد، هنا، بأن المقاومة الوطنية، التي كان للشيوعيين دور أساسي فيها، قد حققت إنجازاً كبيراً تمثل في طرد الإحتلال من بيروت ومن الجبل والبقاع إلى الشريط الحدودي، وأن الشيوعيين كانوا حتى آخر ثمانينات القرن الماضي أصحاب الدور الأساسي في مقاومة الإحتلال في منطقة الحدود، بالنظر لتاريخ وجودهم ولحجم نفوذهم السياسي في تلك المنطقة.  ويشير إلى دورهم هذا حجم العمليات ونوعيتها التي قاموا بها في تلك الفترة.  وهو الدور التاريخي الذي يجري تجاهله كما لو أن المقاومة لم تكن، في القبل وفي البعد، إلا مقاومة إسلامية بقيادة حزب الله.  إلا أن من المؤكد، في الوقت ذاته، أن إنجاز التحرير الكامل للأرض، بعد تراجع دور الشيوعيين في المقاومة لأسباب موضوعية وذاتية، ولأسباب أخرى، لا مجال ولا ضرورة للدخول فيها هنا، قد تم بدور أساسي لمقاومة حزب الله، التي كانت قد تحولت إلى جيش بكل المعاني، مدعومة من الشعب اللبناني بمكوناته السياسية المتعددة الإتجاهات، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.   غير أن هذا الإنجاز الكبير الذي حققه حزب الله في التحرير سرعان ما صار، بعد التحرير،  يتحول إلى النقيض الصريح والمباشر لذلك الهدف الأساس، الذي كانت المقاومة قد تأسست من أجله على يد اليساريين اللبنانيين.  ويتمثل هذا  الهدف بالشروع في بناء الدولة الوطنية، الذي كان من المفترض أن يمهد ويؤسس له تحرير الأرض من الإحتلال الإسرائيلي، كما أشرنا إلى ذلك.  إذ تحول الإصرار من قبل حزب الله وحلفائه في الداخل وفي الخارج على استمرار المقاومة، بعد أن قامت بدورها وأكملت مهمتها على أفضل وجه، في الموقف السياسي المعلن والممارس، إما عن قصد بهدف سياسي محدد، أو عن غير وعي بخطورة ذلك، تحوّل ذلك الإصرار إلى عامل إعاقة لمهمة بناء الوطن المهدم، نظاماً ودولة ومؤسسات ومجتمعاً، بفعل الحرب الأهلية أولاً، ثم بفعل السياسة التي ارتبطت بعهد الوصاية السورية في مرحلة ما بعد الحرب تطبيقاً مشوهاً لاتفاق الطائف.  وهو ما كنا، نحن الذين تجمعنا في الوطنية اللبنانية المتمثلة بالنضال ضد الإحتلال، علاقة تقدير لحزب الله ولدوره، لم يقلل من شأنها اختلافنا السياسي معه، كنا نتمنى ألا يقع الحزب فيما هو واقع فيه حالياً، مع حلفائه في الداخل وفي الخارج، من خلال استخدام المقاومة خارج وظيفتها وخارج المهمة والهدف اللذين من أجلهما قامت عندنا وعند سوانا من الشعوب التي واجهت احتلالاً أجنبياً لأراضيها وقامت مقاومة لطرد ذلك الإحتلال.  ويتمثل ذلك الموقف الذي أشير إليه بما أسميته موقفاً معطلاً ومعيقاً لبناء الدولة، ومعيقاً لبناء مؤسساتها. وهو ما يتناقض عملياً مع الدور الوطني الذي حققته المقاومة، بتنويعاتها المختلفة، في إنجاز التحرير.  وكان من المفترض بهذا الدور أن يضع، من حيث المبدأ، أسساً جديدة لبناء هذه الدولة ومؤسساتها، أسساً تعطي للوطنية اللبنانية معنى أعمق وأشمل مما كانت عليه في أزمنة سابقة..

لكن المؤسف فيما حدث بعد التحرير هو أن إعاقة  بناء الوطن والدولة والمجتمع قد قدمت خدمة ثمينة لمن يريد، عربياً ودولياً، وسوريا على وجه التحديد، إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لكل أنواع الصراعات الإقليمية والدولية التي استدرج اللبنانيون في الماضي، مثلما يستدرجون اليوم، لكي يشكلوا أدواتها، ضد مصالحهم وضد مصلحة عيشهم كلبنانيين في وطنهم الجميل لبنان.  وفي الواقع فقد استخدمت القيادة السورية، خلال وصايتها على لبنان، الإنجاز التاريخي المتمثل بتحرير الأرض، كمنطلق لتحويل لبنان ساحة صراع ضد خصومها اللبنانيين، وضد خصومها وخصومنا الإسرائيليين والأميركيين، لعجزها عن ممارسة هذا الصراع ضد هذين الخصمين، في سوريا بالذات، من جهة، ولتأبيد وصايتها على لبنان، من جهة ثانية.  وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف مترابطة فيما بينها: إلحاق لبنان بها في زمن ما، ومواجهة خصومها المشار إليهم في لبنان بالذات، وباللبنانيين، وإبعاد المخاطر المترتبة على تلك المواجهة في سوريا.   ومعروف أن القيادة السورية قد اختارت ، بعد حرب 1973، الهدنة مع إسرائيل بديلاً من الحرب وبديلاً من المقاومة لتحرير الجولان، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً!  وكان ذلك  الخيار الذي اتخذته القيادة السورية خياراً "حكيماً"، من الناحية العملية وفق منطقها.  إذ كان البديل، وفق هذا المنطق، حافلاً بالمخاطر على سوريا، على أمنها واستقلالها ووحدة أراضيها، نظراً لما كان يمكن أن تقوم به إسرائيل من أعمال عسكرية، شبيهة بما حصل في الحربين السابقتين، في مواجهة أي عمل سوري ضد الإحتلال، سواء كان ذلك العمل شعبياً باسم المقاومة ، أم كان عسكرياً، باسم الدولة.  لكن القيادة السورية استعاضت عن العمل لتحرير الجولان، في أشكاله المختلفة، بما في ذلك في شكل المقاومة داخل الأراضي السورية المحتلة، استعاضت عن ذلك بالعمل السياسي والعسكري ضد إسرائيل من لبنان الساحة المفتوحة والمشرعة لكل الحروب ولكل الصراعات.  وصار ذلك الموقف "الحكيم" الذي أملته على القيادة السورية ما اعتبرته المصالح الوطنية لدولتها، موقفاً وطنياً بالنسبة إليها، وصار اللبنانيون الذين يطالبون باحترام الهدنة مع إسرائيل بعد تحرير أرضهم بالنضال وبالتضحيات الجسام، حماية لمصالح وطنهم وشعبهم، وتثبيتاً لانتصارهم التاريخي على إسرائيل، يتهمون بالخيانة، من قبل القيادة السورية إياها، ومن قبل حلفائها في لبنان وفي الخارج.  بل أن سوريا صنفت نفسها، خلال تلك المرحلة الطويلة من الإمتناع عن المقاومة لتحرير أرضها، دولة "ممانعة" في المنطقة، ممانعة بمعنى "الإلتزام الكامل" بالنضال ضد الإمبريالية الأميركية وضد مشاريعها في المنطقة وضد الصهيونية وربيبتها إسرائيل!  وهي كانت، في الواقع، "ممانعة" بواسطة اللبنانيين من حلفائها، وبواسطة لبنان وشعبه اللذين ظلا زمناً طويلاً رهينة للسياسة السورية.  وفي اعتقادي فإن من حق أي لبناني، أياً كان موقعه وأياً كان موقفه السياسي، أن يطرح السؤال المشروع التالي، الذي كنت قد طرحته غداة التحرير في مقال نشرته جريدة النهار وتصدر كتابي "نحو جمهورية ثالثة" الذي صدر في عام 2001.  وهو السؤال القديم الجديد الذي أجبت عنه بصراحة كاملة، في ذلك المقال، صراحة ترتكز على مسؤولية وطنية هي امتداد لتاريخي السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني على امتداد أكثر من نصف قرن.  هذا السؤال القديم الجديد هو، في قراءتي له، واحد ومتعدد:   لصالح ماذا ومن  هذا  الإصرار على استمرار المقاومة، بعد أن قامت بدورها التاريخي، غير المسبوق عربياً، على أفضل وجه، وفق ما حددته لها وظيفتها الأصلية؟  وهل حزب الله هو وحده المسؤول عن مصير الوطن، وعن الدفاع عن حدوده؟  وأين هو لبنان، الوطن والمجتمع والدولة، في كل ما نشهده من استنفار للغرائز، باسم المقاومة ذات المهمة الوطنية التي ينبغي أن تكون مبدئياً مهمة كل اللبنانيين؟  وهل لبنان هو وحده المسؤول عن ممارسة الصراع ضد إسرائيل بالنيابة عن الأمتين العربية والإسلامية؟

وفي ظني فإن الرد سيأتي على هذا السؤال المتعدد العناوين قاطعاً وحازماً.  سيأتي الرد في الموقف السياسي المعلن من قبل حزب الله وحلفائه في فريق الثامن من آذار.  وهو موقف سياسي مشحون بالتوتر وبإضفاء صفة الخيانة على من يعترض عليه.  سيقال، وقد قيل ذلك، بأن إسرائيل تتهيأ لعدوان جديد على لبنان، انتقاماً من هزيمتها في حرب تموز.  هذا أولاً.  يضاف إلى ذلك تذكيرنا بأن مزارع شبعا ما تزال محتلة، وأن الأسرى ما يزالون في سجون العدو. يضاف إلى ذلك أيضاً تذكيرنا بأن الشعب الفلسطيني متروك لوحده يواجه مصيره، وأن العرب عاجزون عن نصرته، وأن تجربة المقاومة اللبنانية وتجاوب الشعوب العربية معها تؤكدان ضرورة إبقاء لبنان ساحة رئيسية للصراع ضد العدور الإسرائيلي. وهي أمور فيها ما هو قابل للنقاش، وفيها ما هو ضد المنطق.  والرد على هذا الرد يتخذ طابع أسئلة من نوع آخر.  هل حقاً أن مهمة الرد على عدوان إسرائيلي محتمل هو مهمة حزب الله وحده، وهل تحرير مزارع شبعا وتحرير الأسرى هما مهمة حزب الله وحده، بالنيابة عن الشعب والدولة؟  وهل تحرير فلسطين هو مهمة لبنان حصراً بواسطة مقاومة حزب الله، مدعوماً بالمال وبالسلاح من إيران وسوريا؟  المطلوب من اللبنانيين أن يجيبوا عن هذه الأسئلة.  لكن المنطق يقول بأن المهمات الوطنية جميعها هي، اليوم، بعد تحرير الأرض، وبعد انتهاء الوصاية السورية على لبنان، مهمة الدولة مدعومة من الشعب، ومن كل القوى القادرة على ذلك، وفي مقدمتها المقاومة ذات التجربة الغنية، مقاومة حزب الله ومقاومة اليساريين السابقين على حزب الله في العمل المقاوم.  أما المهمة القومية والإسلامية المتصلة بدعم الشعب الفلسطيني فإن المنطق يقول بأنها مهمة كل العرب وكل المسلمين، وإن ما قام به لبنان كان كبيراً وكافياً.   ولنا في تجارب الشعوب الأخرى أمثلة ساطعة على ذلك.  فمن المعروف في التاريخ القديم والحديث أن المقاومة، بعد أن أنجزت مهمتها، قدمت إنجازها للدولة ولمؤسساتها.  وهذا ما حصل في شكل رائع في كل من فرنسا وإيطاليا بعد انتهاء الحرب، التي كان للمقاومة في البلدين بقيادة الشيوعيين دورها التاريخي الذي ساهم في الإنتصار على النازية والفاشية، وفي تحرير البلدين منهما.  إذ أعلن الشيوعيون، أبطال المقاومة في البلدين، إهداء إنجازهم في المقاومة إلى الدولة، من دون أن يضيفوا أي شرط لذلك. 

نضيف إلى ذلك، استناداً إلى تجربة الشعوب الأخرى، أن النضال لإنجاز مهمات وطنية محددة إنما يخضع في تحديد أشكاله وصيغه وأدواته للمراحل المتغيرة ولشروطها.  ومن قال إن للمقاومة شكلاً وحيداً لا يتغير ولا يتبدل، هو المقاومة بالسلاح؟  فالتجارب تشير إلى تعدد أشكالها، وفق ما تقتضيه شروط كل مرحلة من مراحل النضال.

هذا هو السؤال الأول الكبير بكل عناصره وبكل تشعباته، وبكل تعقيداته.  وهو السؤال الأصلي من بين الأسئلة الكبيرة التي يطرحها الواقع اللبناني القائم على اللبنانيين بكل مكوناتهم.  وما قدمته من إجابات مقتضبة عنه ليست هي الإجابات الكاملة والكافية عنه.

السؤال الثاني، المتصل بالسؤال الأول والمكمل له، هو السؤال الذي يتعلق بطابع التنوع والتعددية في المجتمع اللبناني، الذي أشرت إليه.  وهو تعدد ديني ومذهبي وعقائدي وثقافي وسياسي.  وهذان التنوع والتعدد في المجتمع اللبناني هما  ميزة ينفرد بها لبنان في العالم العربي.  إذ هما كانا، منذ أن تشكل لبنان كدولة، في فترة الإنتداب، ثم في مرحلة الإستقلال، الأساس الذي قام عليه النظام الديمقراطي اللبناني.  ولم تغير في هذا الطابع الأساسي للبنان ولنظامه الديمقراطي كل الإنقسامات والصراعات التي شهدها هذا البلد في تاريخه الحديث.  إلا أن المشكلة التي نتوقف عندها في موضوع التنوع والتعدد، الذي يظل يشكل الأساس فيما نعتبره خصوصية لبنانية، هو هذا السعي الحثيث المتواصل، قديماً وحديثاً، لانتزاع مصدر الغنى في هذين التنوع والتعدد، وفي إلغاء جوهر الديمقراطية وصيغتها في النظام اللبناني، لكي يصبح لبنان شبيهاً بما هو سائد في البلدان العربية الأخرى، أي أن يتحول المجتمع فيه إلى مجتمع آحادي، وأن يحل محل النظام الديمقراطي نظام استبدادي شمولي.  ومصادر الخطر هنا، وجوهر المشكلة التي نشير إليها، إنما يكمنان في أن أقساماً من اللبنانيين تنساق وراء إرادات ومصالح الخارج في هذا السعي الخبيث لتغيير طبيعة لبنان وطبيعة نظامه الديمقراطي، وتغيير الصيغة التعددية المتنوعة لمجتمعه.  وهو ما نعيش اليوم في أجوائه، وما يخشى اللبنانيون أن يكونوا ضحيته العبثية، مثلما حصل لهم في الحرب الأهلية المشؤومة السابقة، التي ما تزال بعض نتائجها الكارثية حاضرة في ذاكرتهم ووجدانهم وعقلهم.  هذا السؤال يتمحور حول الكيفية التي ينبغي على اللبنانيين أن يحافظوا بواسطتها على هذين التعدد والتنوع في مجتمعهم وأن يعملوا بصورة دائمة من أجل إغنائهما وترسيخ دعائمهما، والوقوف في وجه كل المحاولات الرامية إلى تشويه المعنى الذي يرمزان إليه والذي يعطى لرسوخهما فيه طابعه الخاص المميز.  وهذا التفرد اللبناني، بخصوصياته التي يعبر عنها هذان التعدد والتنوع في تركيبة شعبه ومجتمعه إنما يشكل، في جوهره، وفي صيغته، النقيض لدولة إسرائيل ولمجتمعها الآحادي الطابع والصيغة.  فهل يحق لنا، نحن اللبنانيين أصحاب هذه الميزة في بلدنا وفي مجتمعنا التعددي، أن نقدم لإسرائيل خراب تجربتنا هذه، برغم التباساتها، هدية مجانية تبرر لها نموذجها السيّئ بفرادته؟

يبقى السؤال الثالث.  وهو يتعلق بالدور الخارجي، الإقليمي والدولي، الذي يتفاقم اليوم إلى الحدود القصوى أكثر من أي زمن مضى، ويشكل في تفاقمه المصدر الأساسي لإعاقة إمكانية اتفاق اللبنانيين فيما بينهم حول لبنان كوطن حقيقي لهم، ينتمون إليه انتماءاً وطنياً حقيقياً، ويجعلونه، في ولائهم له وانتمائهم إليه، نموذجاً للأوطان الحقيقية القائمة على التعدد والتنوع، في منطقة تنتفي فيها إمكانيات التطور الديمقراطي لبلدانها، بحكم كونها تخضع منذ فترة زمنية طويلة لأشكال مختلفة من أنظمة الإستبداد، التي تذكر بالإستبداد الشرقي القديم.  هذا السؤال يتمحور حول ضرورة وإمكانية تحرر اللبنانيين من استقوائهم المزمن في صراعاتهم بعضهم ضد بعض بالقوى الخارجية وتحولهم، وتحول أقسام منهم، إلى امتدادات لهذا الخارج بتنويعاته المختلفة.  لكن مصدر الصعوبة في هذا السؤال هو أن فريقاً من اللبنانيين يتمثل بقوى الثامن من آذار يعتبر أن ارتباطه بسوريا وإيران وبمصالحهما هو ارتباط مصيري في السياسة وفي المصالح المشتركة، سواء في الراهن من الزمن أم في المستقبل.  في حين أن الفريق الآخر، المتمثل بقوى الرابع عشر من آذار، يلجأ، كرد فعل على موقف الفريق الأول، إلى الأمم المتحدة وإلى أوروبا وأميركا وإلى عدد من الدول العربية ليحمي مشروعه ومشروع لبنان المتمثل ببناء الدولة الوطنية، حمايته من استخدام لبنان ساحة معركة تخوضها سوريا وإيران ضد خصومهما في الداخل اللبناني وفي الخارج الإقليمي والدولي، إسرائيل وأميركا، وبعض خصومهمابعض الدول العربية التي تتعارض مصالحها مع مصالح سوريا وإيران في لبنان وفي المنطقة.  إلا أننا، نحن الفريق من اللبنانيين المتمسكين بلبنان الوطن والشعب والدولة، نرفض الإستقواء بالخارج أياً كان، ونرفض لغة التخوين، ونرفض مواقف العداء التي تتحكم بالصرع السياسي القائم.  ونعتبر أن وجهات النظر لدى الفرقاء السياسيين، حتى وإن تباعدت، والهواجس التي تعبّر وجهات النظر هذه عنها، المشروع من هذه الهواجس والمفتعل، تتطلب إعمال العقل، بدلاً مما نشهده في لبنان منذ ثلاثة أعوام، ويدفع لبنان واللبنانيون الثمن الباهظ لاستمراره.  والخطير، الخطير جداً، في هذين الإنقسام والصراع بين الفريقين السياسيين حول مشروعيهما، أنهما يقسمان الشعب اللبناني في شكل عمودي. وتتحوّل المسألة اللبنانية، بفعل هذين الإنقسام والصراع، إلى مسألة أشد صعوبة وأكثر تعقيداً مما كانت عليه في الأزمنة السابقة وأزماتها.  وطبيعي أن ننحاز من حيث المبدأ، لمشروع الدولة، حتى ولو كنا متمايزين في فهمنا لصيغة تلك الدولة ولوظائفها عن كل من الفريقين السياسيين المتصارعين.   إذ نعتبر أن المهمة الأولى، الأولى بامتياز، هي بناء الدولة الديمقراطية وبناء مؤسساتها.  ونعتبر أنه، عندما تقوم هذه الدولة وتعود مؤسساتها المختلفة لممارسة دورها، تبدأ معركتنا من أجل جعل هذه الدولة بكل المعاني،  دولة للوطن وللشعب ولقضاياهما الحقيقية.  إذ يصبح للصراع، عندئذ، معنى مختلف، وهدف مختلف عما هو سائد في هذه الأيام من انقسامات وصراعات.  لأن ذلك الصراع سيكون صراعاً سياسياً واجتماعياً من نوع ما هو سائد في الأنظمة الديمقراطية، تتنافس فيه القوى ديمقراطياً حول برامجها ورؤاها، داخل مؤسسات الدولة وعلى تخومها.

 

صعوبات حقيقية

تعيق الإجابة عن هذه الأسئلة

 

في هذه الأسئلة الثلاث تتلخص أزمة لبنان الراهنة.  لكن المهم، في ضوء هذا التحديد لطبيعة الأزمة اللبنانية بوقائعها الخطيرة، هو تحديد آلية الإجابة عن هذه الأسئلة المتصلة بها.  بل ربما يكون الأهم من ذلك هو معرفة ما إذا كان بإمكان اللبنانيين أن يجيبوا عن هذه الأسئلة، أي أن يجدوا في الإجابة عنها طريقهم إلى الخروج من الأزمة الراهنة، بكل تعقيداتها وبكل عناصرها الداخلية والخارجية، من دون حرب أهلية، والذهاب بأمان في الطريق إلى لبنان الغد.

إلا أن الصعوبة الحقيقية التي تحول دون تمكن اللبنانيين من استعادة وطنهم من الأسر، وتحريره من الأزمة التي تهدده بالدخول من جديد في دوامة حرب أهلية لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تقود، الصعوبة هذه إنما يعبّر عنها الإنقسام الحاد الذي يسود في الحياة السياسية والثقافية والإجتماعية اللبنانية، وفي وسط الكتل الشعبية الكبرى.  وفي الواقع فإن الطبقة السياسية، بتنويعاتها المختلفة، المهيمنة على البلاد منذ الإستقلال، هي التي تتحمل المسؤولية قديماً وحديثاً عن عدم الإستقرار في لبنان، وعن تحوله إلى ميدان للحروب الأهلية في صيغها المختلفة.  وقد تحوّلت هذه الطبقة السياسية، بصراعاتها فيما بين أقسامها وتياراتها ومشاريعها، إلى رهينة للتدخلات الخارجية، من كل الجهات والإتجاهات، حتى ولو ترمي إلى ذلك.  لكن التاريخ الحديث للبناني يشير إلى أن هذه الطبقة السياسية ذاتها التي تتحمل المسؤولية عن عدم استقرار لبنان وعن الحروب الأهلية التي تفجرت وعانى منها اللبنانيون، قد حافظت على الأساسي من النظام الديمقراطي. وكان تداول السلطة المثل الأبرز على ذلك.  إذ تم انتخاب اثنتي عشر رئيساً للجمهورية منذ استقلال لبنان، بينهم ثلاثة رؤساء خلال الحرب الأهلية.  حتى في ظل الإنتداب الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً تم بالتعيين ستة رؤساء للبنان.  كما تمثل ذلك الحفاظ على النظام الديمقراطي بالإلتزام الدائم بإجراء انتخابات نيابية وبلدية، باستثناء فترة الحرب الأهلية.  كما تمثل ذلك بعدم المس بالحريات العامة، حرية الرأي وحرية العمل السياسي وحرية الكلمة في الإعلام بميادينه المختلفة، وفي الكتاب تأليفاً وترجمة وتسويقاً.  وحين كانت تمس هذه الحرية، أو حين كان يحصل تزوير في الإنتخابات، كانت تقوم حركة احتجاج واسعة، وصل بعضها إلى انتفاضة، أو ثورة، كما حصل في عام 1952 ضد حكم الرئيس بشارة الخوري، وفي عام 1958 ضد حكم الرئيس كميل شمعون.  إلا أننا، إذ نتحدث عن هذه المسؤولية المشتركة في واقعنا القائم بين فرقاء الطبقة السياسية الحاليين عما يعاني منه لبنان اليوم، لا يحق لنا أن نساوي بين من يريد بناء دولة ومؤسساتها، دولة شبيهة بالدول القائمة في العالم المعاصر، وهم الذين يلتقون في فريق الرابع عشر من آذار، وبين الذين يرفضون قيام الدولة إلا وفق ما يتصورونه هم للدولة، ويمنعون مؤسساتها من ممارسة وظائفها، إلا إذا كانت تلك الوظائف تتفق مع تصورهم لها ولوظائفها.  ويتشبثون بفرض إرادتهم على سائر اللبنانين بالعسف.  ويريدون التحكم بقرار السلم والحرب من دون استشارة القوى اللبنانية الأخرى، وخارج الإعتراف بالدولة وبدورها الذي يعطيها لها الدستور، أسوة بكل الدول الديمقراطية، ومن دون استشارة الشعب اللبناني.  وهؤلاء هم الذين ينتمون إلى فريق الثامن من آذار. 

غير أن أخطر ما في هذا الإنقسام في الوسط السياسي هو أنه قد خلق انقساماً عمودياً في المجتمع برمته، تحولت معه قوى شعبية كبرى إلى كتل عمياء، مسلوبة الوعي والإرادة، منقادة حتى الإنتحار وراء زعمائها وسياساتهم، ما هو وطني من هذه السياسات، وما هو مجهول الوظيفة.  لكن الأشد خطراً في هذا الإنقسام العامودي هو أنه يتخذ طابع ارتباط غريزي بالعقائد الدينية على اختلافها.  وهو ارتباط  تتشوه فيه القيم الروحية لكل من المسيحية والإسلام، وبالأخص، في مثالنا اللبناني،  ما يتصل بقيم  التسامح التي هي من أهم ما يعرف في الدين الإسلامي، بخلاف ما هو سائد ومعمم من قبل العديد من الحركات الإسلامية في لبنان وفي العالم العربي.  وقيم التسامح هذه في الدين الإسلامي تعبر عنها آيات بينات في القرآن الكريم.

في مثل هذه الحالة، وفي ظل هذا النوع الحاد والعمودي من الإنقسام في المجتمع اللبناني، في مكوناته السياسية والإجتماعية والثقافية، تكاد تفتقد في الظروف الراهنة وحتى إشعار آخر الإمكانية عند اللبنانيين للإجابة المطلوبة عن الأسئلة التي أشرنا إليها، الإجابة التي يفترض بها أن تقود إلى فتح الطريق أمام المستقبل، والخروج من النفق المظلم القائم الذي يعيش فيه لبنان واللبنانيون، والذي لا تعرف له نهاية.

إزاء هذا الواقع المأزوم، وتجاوزاً لهذا الإنقسام العمودي، يتوجب علينا، نحن الذين ننتمي إلى الفريق من اللبنانيين الذين يضعون أنفسهم، بصفتهم ديمقراطيين، خارج ذلك الإنقسام العمودي المفتعل، الطائفي والمذهبي خصوصاً، يتوجب علينا أن نغامر في تقديم ما نراه ضرورياً من إجابات، كسؤولية وطنية ذات أبعاد مستقبلية.  وهي إجابات قد تبدو في الشكل أقرب إلى الحلم والطوبى منها إلى الواقع. لا بأس. فالحلم  بمستقبل أفضل، حتى ولو كان طوباوياًَ، هو الشرط الأول للنضال من أجل الوصول إلى ما يشبه هذا الحلم.   ولا يسعني، في هذا المجال، قبل أن أقدم إجاباتي ذات الطابع الرومانسي عن تلك الأسئلة، كواحد من الفريق المشار إليه، إلا أن أذكّر بالخلل الذي يصعِّب الخروج من الأزمة القائمة ومن الإنقسامات السياسية والطائفية ومن تدخلات الخارج فيها.  ويتمثل هذا الخلل بتراجع قوى اليسار العلماني، بفعل أزماتها المستعصية على الحل، ولعجزها عن القيام بمراجعة نقدية لتاريخها، وقصورها بالتالي عن تقديم مشروع جديد لنهضة لبنان، ترتقي فيه هذه القوى تاريخاً إلى النضال كان فيه الكثير من الصواب والكثير من الخطأ في آن.  أشير إلى هذا الخلل، بصفتي واحداً ممن يتحملون بعض المسؤولية عن ذلك، كمناضل شيوعي، حتى وأنا اليوم خارج العمل الحزبي، وخارج المسؤولية الحزبية.

تتلخص إجابتي هذه عن الأسئلة الثلاثة بالأمور التالية التي أعتقد أن المجموعات الموجودة في القوة داخل المجتمع اللبناني، وفي كل مكوناته من دون استثناء، تستطيع أن تستند إليها لكي تبدأ رحلة الألف ميل، كما يقولون، رحلة البدء في إعادة صياغة لبنان، وطناً وكياناً، وشعباً ونظاماً، ودولة ومجتمعاً تعددياً، ليكون، كما هو مفترض به، النموذج المختلف عما هو سائد في المنطقة، محققاً تطوراً يشير إلى الإرتقاء في المستقبل عما كان عليه منذ تأسيسه كوطن للبنانيين المتعددين.

 

الأسس الموضوعية

لعلاقات لبنان العربية والدولية

 

الامر الأول، من بين ما أقترحه من أمور، كمشروع تلتقي حوله هذه المجموعات من اللبنانيين المتمسكين بوطنهم اللبناني، إنما يتمثل بالإقرار المبدئي، غير القابل للجدل، في أن لبنان، كما أشار إليه ميثاق الإستقلال  واتفاق الطائف، هو وطن نهائي يعيش فيه مواطنون متعددو الإنتماءات ، وبأن لبنان هو وطن حقيقي لأبنائه جميعهم، وأن الإنتماء إليه هو الإنتماء الأول، الذي لا يلغي انتماءاتهم الدينية والثقافية والسياسية.  بكلام آخر أكثر وضوحاً ومباشرة، لا بد من الإقرار في أن لبنان هو وطن جميع اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم وأفكارهم وسياساتهم، يعيشون فيه جميعهم في المساواة التامة بينهم كمواطنين، وذلك في ظل نظام ديمقراطي يحمي لهم تنوعهم ويعززه، ويشكل الأساس لانتمائهم الأول إلى الوطن، لبنان اللبناني، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ، في التاريخ والثقافة وفي المصالح المشتركة، من أسرة الدول العربية وشعوبها.

الأمر الثاني، وفي السياق ذاته من الإعتراف بالوقائع، يتمثل في أن لبنان هذا لا يمكن إلا أن يكون على علاقة مميزة مع سوريا، التي اشترك معها ردحاً طويلاً من الزمن في كل ما يتصل بشؤونه العامة والخاصة.  لكن الأساس الموضوعي لهذه العلاقة الذي يشكل مصدر قوتها وثباتها إنما يقوم على الإحترام المتبادل من كلا البلدين لاستقلال وسيادة كل منهما، وعلى قاعدة الندية في العلاقة.  وهو ما يقضي بإقامة علاقات دبلوماسية بينهما، تعزيزاً لتلك العلاقة القائمة على الندية، وعلى احترام البلدين لكل منهما، وعلى القواسم المشتركة التي تربطهما وتعزز تطورهما.  وتقضي هذه العلاقة المميزة بأن يكون لبنان، دولة وشعباً، متضامناً مع سوريا، في نضالها لاستعادة أرضها المحتلة (الجولان) بالوسائل التي تختارها، شرط أن تتخلى القيادة السورية عن اعتماد لبنان ساحة مفتوحة لها في صراعها مع إسرائيل ومع سائر خصومها في المنطقة وفي العالم، وأن تكف عن التدخل المتواصل في شؤون لبنان، مباشرة وبواسطة حلفائها اللبنانيين، وأن تتخلى عن طموحها غير المشروع في استعادة وصايتها على لبنان.  إلا أن مثل هذه العلاقة المميزة مع سوريا، كجزء من علاقات لبنان العربية، إنما تنطبق على الفلسطينيين في داخل "الوطن السليب"، وعلى الفلسطينيين المقيمين على الأرض اللبنانية بفعل اللجوء التاريخي الذي فرض عليهم خلال حرب عام 1948 وحرب عام 1967، اللتين ولدتا ما بات يعرف بـ"النكبة" و"النكسة".  ذلك أن علاقة اللبنانيين بالفلسطينيين هي علاقة تاريخية، شبيهة في طبيعتها وفي شروطها وفي أشكالها بعلاقتهم بالسوريين.  وكما كان، وما يزال،  مطلوباً من الدولة السورية أن تراعي سيادة واستقلال وخصوصية لبنان، فإن ذلك مطلوب أيضاً من فلسطينيي السلطة الوطنية، ومن الفلسطينيين المقيمين في لبنان بوجه خاص.  وإذا كان متفقاً عليه من قبل اللبنانيين والفلسطينيين أنه لا مكان ولا مجال للتوطين الذي أصبح شعاراً مبتذلاً، من جهة، ومصدر إذلال  وقهر للفلسطينيين في الممارسة، من جهة ثانية، فإن من حق لبنان على الفلسطينيين أن يحترموا سيادة بلدهم واستقلاله، ومن حق الفلسطينيين على الدولة اللبنانية أن تراعي وضعهم الإنساني وتؤمن لهم شروط حياة طبيعية من دون أي تمييز، تحت أي مبرر، أياً كان اسمه ونوعه وشكله وطبيعته ووظيفته والهدف منه.

الأمر الثالث يتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط لبنان ببلدان المنطقة، لا سيما إيران.  وهي علاقة ذات جذور قديمة، اتخذت صيغتها المستحدثة بعد قيام الجمهورية الإسلامية.  لكن هذه العلاقة، قديمها وحديثها، كانت دائماً حافلة بالإلتباسات.  ومصدر هذه الإلتباسات القديم منها والجديد، هو الصراع بين مركزي الفقه الشيعي، النجف في العراق وهو الأصل، وقم في إيران وهو فرع من الأصل.  لكن هذا الفرع صار، بعد قيام الجمهورية الإسلامية، نداً للأصل.  وكان شيعة لبنان على الدوام موزعين بين هذين الأصل والفرع، مع ميل جارف في السابق إلى الأصل، وميل جزئي في عهد الجمهورية الإسلامية إلى الفرع.  غير أن هذه العلاقة بين شيعة لبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أعطت لعلاقة لبنان بإيران بعداً جديداً، شديد التعقيدات، كثير الإلتباسات، يتطلب الكثير من الحذر والدقة في التعامل معها، والكثير من الحزم في عدم إعطائها حجماً أكبر مما يحمل لبنان، وأكثر مما تحتمل الطائفة الشيعية في علاقاتها الأصلية مع شركائها في الوطن اللبناني.  انطلاقاً من قراءتنا الموضوعية لهذه الوقائع نعتقد أن على شيعة لبنان، بمكوناتهم السياسية المختلفة، أن يتعاملوا في علاقتهم مع إيران المعاصرة، الجمهورية الإسلامية، بصفتهم لبنانيين في الدرجة الأولى من دون أن يتخلوا عن انتمائهم إلى العقيدة الدينية، التي تجمعهم بالإيرانيين شركائهم في العقيدة ذاتها.   بل أن المطلوب منهم، كلبنانيين، أن يتضامنوا مع أشقائهم اللبنانيين من الطوائف الأخرى في دعوة إيران  إلى عدم استخدام لبنان ساحة لصراعاتهم مع خصومهم في المنطقة، إسرائيل، وفي العالم، أميركا، آخذين في الإعتبار أن خصوم إيران هؤلاء هم خصومنا أيضاً، وأن لكل منا خصوصياته وشروطه في النضال ضدهم، وأن على إيران الإقرار بهذه الخصوصية للبنان.

الأمر الرابع يتعلق بطبيعة موقع لبنان في المنطقة في علاقاته مع العالم الخارجي.  وفي اعتقادنا فإن الموقع الصحيح للبنان كدولة عضو في الأمم المتحدة يقضي بأن تكون علاقاته مع العالم علاقة طبيعية، تستند إلى حقه في ممارسة سياساته الخاصة به في المجالات كافة، السياسات التي تضمن له استقلاله وسيادته وحرية خياراته.  أما بالنسبة إلى القوى السياسية اللبنانية فمن حقها أن تختار سياساتها بحرية شرط ألا  تترك هذه السياسات بتنوعها وتعدد اجتهادات أصحابها أي تأثير سلبي يتهدد موقع لبنان في العالم كدولة ذات سيادة، عضو في الأمم المتحدة.  وهذا الموقع يختلف عما يدعو إليه بعض اللبنانيين، وهو موقع الحياد.  فلبنان هو جزء من عالم عربي حافل بالصرارعات وبالقضايا الشائكة.  ولبنان لا يمكن أن يكون محايداً، حتى وإن استطاع أن يفرض على الأشقاء احترام خصوصياته التي تحرره مما هو أسير له منذ فترة من الزمن، أي استخدامه كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية المهددة لكيانه ولسيادته ولاستقلاله ولحرية شعبه، والمهددة لنظامه الديمقراطي بالإنحلال.

الأمر الخامس، يتعلق بصيغة النظام السياسي اللبناني.  وهو نظام لا يمكن إلا أن يكون، استمراراً لما نشأ عليه منذ تأسيسه، النظام البرلماني الديمقراطي، الذي تشكل الدولة فيه الإطار الدستوري القائم على المؤسسات، والتي يشكل الإنتخاب الحر أساس التمثيل فيها.  وهو نظام ديمقراطي حقيقي، لا يختلف في شكله الدستوري عن الأنظمة الديمقراطية السائدة في العالم.  إنها ديمقراطية تقوم على  الفصل بين الدين والدولة، حتى وإن كانت مؤسسات الدولة موزعة بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، المناصفة التي تشكل ضمانة لاستمرار وحدة لبنان، وتعبيراً دستورياً عن خصوصيته التي يختلف فيها عن سائر البلدان العربية.  وطبيعة هذه الديمقراطية اللبنانية، كضمانة لاستمرار لبنان، إنما تتعارض تعارضاً كاملاَ مع المفهوم الهجين للديمقراطية، ذلك المفهوم الذي صار يحمل اسم "الديمقراطية التوافقية".  فهذه الديمقراطية التوافقية التي يكثر الحديث عنها اليوم هي تعبير فظ ومرفوض  عن المحاصصة الطائفية التي تعطل بناء الدولة، وتعطل الطابع الديمقراطي للنظام اللبناني،  وتلحق لبنان، مواربة، بالأنظمة الشمولية القائمة في المنطقة.  وهو ما يحقق عملياً لإسرائيل هدفاً تاريخياً طالما سعت إليه منذ تأسيسها، هدف تحويل لبنان بالذات، والبلدان العربية الأخرى، إلى كانتونات طائفية ومذهبية.  وهو واقع، إذا ما تحقق، سيبرر لإسرائيل وجودها واستمرارها كدولة يهودية صافية، حتى وإن كانت إسرائيل لا تحتاج إلى مبرر لتأكيد أحاديتها الدينية والعرقية.

 

صيغة ديمقراطية للبنان

في ظل الجمهورية الثالثة

 

الأمر السادس يتعلق بتحديد الصيغة التي تؤمن احترام التنوع والتعدد في المجتمع اللبناني الصيغة التي تم تبنيها في اتفاق الطائف.  وهو ما يتعزز بالإقرار باللامركزية الإدارية، التي تتشكل من مجالس محافظات ومجالس أقضية ومجالس بلديات منتخبة جميعها ديمقراطياً، أي خارج التقسيم الطائفي.  ويتم ذلك بإعادة تشكيل المحافظات من خلال زيادة عددها.  على أن يراعى في زيادة العدد التمثيل الصحيح من جهة، ووحدة الشعب من جهة ثانية.  وبالطبع فإن  اللامركزية لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تتعارض مع مركزية الدولة في مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والمالية والقضائية و الدفاعية والأمنية.  لأن مثل هذا التعارض، إذا ما حصل، يكون بداية حقيقية لتقسيم البلد.  وهذه  المؤسسات المركزية هي التي تؤمن وحدة الدولة والوطن والشعب، وتؤمن استقلال البلاد عن كل تدخل خارجي في شؤونها.

الأمر السابع يتعلق بتحديد الصيغة التي تضمن لكل مكونات المجتمع وجودها وحقوقها الطبيعية.  وهذا التحديد وضعه اتفاق الطائف، وأكد فيه على أن تكون مؤسسات الدولة كلها مكونة من مسيحيين ومسلمين بالتساوي، لا سيما في السلطتين التشريعية والتنفيذية.  لكن اتفاق الطائف نص على إنشاء مجلس شيوخ يمثل تمثيلاً دقيقاً كل الطوائف اللبنانية.  على أن تكون وظيفة هذا المجلس مشاركة مجلس النواب في اتخاذ القرارات المصيرية وحدها، من دون أي تدخل منه، أي مجلس الشيوخ، في القضايا المتصلة بإدارة شؤون البلاد اليومية.

الأمر الثامن يتعلق بالنظام الذي يقوم عليه اختيار اللبنانيين لممثليهم في المؤسسات والهيئات المنتخبة.  وهو الأمر الذي كان على الدوام موضوع خلاف واختلاف لم يكن من الممكن الحسم فيهما حتى هذه اللحظة من تاريخ لبنان.  وفي اعتقادنا فإن أفضل صيغة تحترم فيها إرادة اللبنانيين هي أن يكون الإنتخاب إلى مجلس النواب على مستويين: الدائرة الفردية المتساوية فيها نسب الناخبين، والدائرة الوطنية  القائمة على أساس النسبية.  على أن تحترم في كل من المستويين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.  أما فيما يتعلق بالمجالس المحلية، في المحافظات والأقضية، وبالمجالس البلدية فيجب اتباع النسبية في التمثيل، وتجاوز الأساس الطائفي في التمثيل.

يبقى في نهاية المطاف، وحسماً لأي نزاع من النوع الذي شهدناه سابقاً ونشهده حالياً، أن يؤخذ في الإعتبار لدى كل الأفرقاء اللبنانيين، أن لبنان، بصفتيه اللبنانية والعربية، أي بصفته مكوّناً وطنياً له خصوصيته، وبصفته جزءاً من أسرة الدول العربية، أن لبنان اللبناني العربي هذا ينبغي أن يكون، في علاقاته مع البلدان العربية، مستقلاً وصاحب سيادة، وشريكاً في كل القضايا العربية، وفي المقدمة منها قضية فلسطين، التي أعطاها الشعب اللبناني بسخاء أكثر من سواه، كواجب من قبله إزاء أشقائه الفلسطينين، ومن دون منّة.  لكن مشاركة لبنان في القضايا العربية العامة، وفي القضية الفلسطينية بالذات، لا يجوز أن تستمر أكثر من طاقته كما كان عليه الحال على امتداد العقود السابقة.  فمن غير الطبيعي أن يظل لبنان لوحده، من دون سائر البلدان العربية، ساحة صراع بكل الوسائل، بما في ذلك بالحروب، بعد أن حرر أرضه من الإحتلال الإسرائيلي في عام 2000.  وهذا يقضي بأن تكف مقاومة حزب الله عن ممارسة دورها كجيش بديل من الجيش اللبناني، وأن يكف حزب الله عن ممارسة سلطته، بديلاً من سلطة الدولة، في بعض المناطق، وأن تكف القوى الطائفية الأخرى عن هذه الممارسة ذاتها، وأن يكف حزب الله، مع بعض حلفائه من الشعبويين من نوع شعبوية التيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشال عون، عن الإستمرار في طموح غير مشروع لأن يستولي على الدولة برمتها.  ويتمثل موقف حزب الله وحلفائه في السياسة المعلنة بتعطيل مجلس النواب، كهيئة للتشريع وللرقابة، بعد أن استقال وزراؤهم من الحكومة، واعتبروها حكومة غير شرعية وغير دستورية، واعتصموا منذ عام ونيف في الوسط التجاري للعاصمة، فأقفلوا المؤسسات وشردوا الألوف من العاملين فيها، ومارسوا كل أنواع الضغوط لإسقاط تلك الحكومة، محرضين الفئات الشعبية المختلفة ضدها، باعتبارها، وهي مشلولة بسبب موقف المعارضة منها وضدها وبسبب تعطيل المجلس النيابي، تتحمل المسؤولية، في نظرهم، عما يعانيه اللبنانيون من صعوبات في حياتهم المعيشية.  كما يتمثل هذا الموقف العدمي لحزب الله ولحلفائه من مؤسسات الدولة، بتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية.  وهي ممارسة يتساءل المرء عن العلاقة التي تربطها بشعار المقاومة ضد العدوان الإسرائيلي، وبالنضال ضد الإمبريالية، وبالنضال، خصوصاً، للدفاع عن مصالح الفئات الشعبية.

إن البديل الطبيعي مما هو قائم، وحسماً لكل خلاف حول لبنان الغد، أو محاولة لحسم هذا الخلاف، البديل من ذلك هو الإتفاق بين فرقاء الصراع على ما حققوه من بنود في لجنة الحوار، سواء في موضوع العلاقة مع سوريا، أم في الموضوع الخاص بسلاح الفلسطينيين، أم في العمل، وفق ما اتفقوا عليه بخصوص سلاح المقاومة، من أجل صياغة استراتيجية وطنية للدفاع يكون سلاح المقاومة والمقاومون فيه جزءاً من الدولة ومن مؤسستها العسكرية.  إن مثل هذه الدعوة الموجهة لحزب الله ولفريق الثامن من آذار إنما تستكمل بالدعوة إلى فريق الرابع عشر من آذار للعمل الدؤوب لإيجاد قواسم مشتركة مع الفريق الآخر، من دون التنازل عن الشروط الضرورية التي تجعل بناء الدولة قائماً على أسس ديمقراطية حقيقية لا التباس فيها، ولا محاصصة طائفية.  وقد قدم هذا الفريق تصوره للدولة اللبنانية ولمشروعه فيها في الوثيقة التي أقرها اجتماعه الأخير.  فهي، برغم الغموض فيها، والنواقص والثغرات الكبيرة التي تعبر عن عدم تجانس القوى التي يتشكل منها هذا الفريق، فإنها تستحق الإهتمام، فقط لكونها تدافع عن ضرورة قيام الدولة، وضرورة تفعيل مؤسساتها.  إن مثل هذا الإتفاق، المشار إليه، إذا ما تم التوصل إليه بين الفرقاء السياسيين، لا يعني تغيير موقف لبنان من الصراع مع إسرائيل.  بل المقصود منها أن تتحول جهود حزب الله وحلفائه، مع الفريق الآخر، مدعومين من جميع اللبنانيين، إلى المشاركة الصادقة في بناء الدولة، وتعزيز دورها  وفق استراتيجية وطنية للدفاع عن الأرض وعن السيادة والإستقلال، وأن تهتم مؤسسات الدولة المدنية  بتأمين الشروط لكي يمارس الشعب اللبناني حياته في ظل الأمن والإستقرار والحرية، من دون إكراه أو تسلط من أحد على أحد.  لقد حان الوقت، حان منذ زمن طويل، لكي يعيش اللبنانيون في بلدهم من دون حروب أهلية ومن دون حروب مفروضة عليه، لكي يكون قادراً عندما يتعرض بلده لاعتداء خارجي، على امتلاك حريته في الدفاع عن أرضه تحت راية الدولة، وليس تحت أي راية أخرى.  لكن من المهم، في الآن ذاته وفي شكل خاص اليوم،  أن يجري العمل بمسؤولية، في إطار المحكمة الدولية، أو ذات الطابع الدولي، من أجل جعلها قادرة على معاقبة أولئك الذين مارسوا القتل ضد القيادات اللبنانية، والذين يهددون في مواصلة هذا القتل، عندما تتوفر لهم شروط ذلك.

هذه الخطوط العريضة التي تشكل، في نظري، أساساً لقيامة لبنان فيما يشبه جمهورية ثالثة، إنما تحتاج إلى أن تخرج عن صمتها تلك المجموعات من اللبنانيين، وتشكل بنهضتها الواعية كتلة تاريخية حقيقية حاملة مشروع لبنان الغد، لبنان الديمقراطي الحر السيد المستقل، لبنان التعدد والتنوع، لبنان الذي امتاز دائماً بصيغته الديمقراطية عن كل جيرانه وأشقائه، لبنان الثقافة والإبداع المفتوح على كل منجزات العصر في ميادينها المختلفة.  هذه القوى الكبرى من اللبنانيين، إذ تنهض للقيام بدورها التاريخي هذا، فإنها معنية، وهي في طريقها إلى تحقيق الحلم ببناء لبنان الغد، بأن تجهد لجعل المجتمع اللبناني، بمؤسساته المختلفة، مؤهلاً للتعامل مع الدولة، ليس فقط فيما يتعلق بوظيفتها كضامنة لوحدة اللبنانيين، والمدافعة عن استقلال لبنان وسيادته، بل كذلك للإهتمام بكل ما يتصل بمصالح الشعب، في كل المجالات، ومنع استئثار الرأسمال وأربابه بالثروة الوطنية.

قد يبدو في هذا الطموح أنني أذهب في اتجاه الحلم.  لكنني أعتبر أن أي تغيير لا بد أن يكون مقترناً بحلم يؤسس لغد أفضل.  ورغم أن الوقائع تشير إلى أن لبنان ربما سيدخل في الآتي من الأيام في أزمة قل نظيرها في السابق من تاريخه، بفعل الإنقسامات العمودية القائمة، وبفعل التدخل الخارجي،  بأشكاله وجهاته المختلفة، إلا أنني أعتقد أن ثمة إمكانات لم تستخدم بعد لوقف هذا التدهور، وأن ثمة قوى كبيرة صامته تتهيأ للعب دورها في هذا الإتجاه، حتى ولو احتاج ذلك منها زمناً طويلاً.  فمن غير الطبيعي أن يترك الوطنيون والديمقراطيون من اللبنانيين، وهم موجودون في الإصطفافات السياسية القائمة وخارجها، للذين يواصلون العمل على تدمير بلدهم، وتدمير حلمهم بجعل هذا البلد الجميل جزءاً من البلدان المتقدمة والراقية.  وفي لبنان وفي شعبه كل القوى وكل المؤهلات لمنع ذلك التدمير ولتحقيق ذلك الحلم.

 

شبه نداء إلى المثقفين العرب

حول الموقف من الأزمة اللبنانية

 

وإني لأشعر، في ختام هذه المحاولة الرومانسية للإجابة عن الأسئلة الحقيقية المتصلة بمستقبل لبنان، أشعر أنني بحاجة لأن أوجه ملاحظتين صادقتين وحميميتين، إلى المثقفين العرب، اليساريين منهم خصوصاً، وإلى المثقفين الديمقراطيين واليساريين في العالم.  وهما ملاحظتان أتقدم بهما، بكامل المسؤولية عما ترميان إليه، بصفتي مواطناً لبنانياً، في الدرجة الأولى، ثم بصفتي مناضلاً يسارياً عربياً وأممياً في آن.  أريد من الملاحظة الأولى أن ألفت نظر هؤلاء الأشقاء والأصدقاء من المثقفين، ونظر الكثرة ممن أعرف وممن لا أعرف أسماءهم، وبين هؤلاء وأولئك كبار ممن أحترم وأقدر، إلى أن لبنان هو وطن حقيقي لشعب حقيقي وعريق هو الشعب اللبناني، وأن لهذا الوطن، أسوة بالأوطان الأخرى في المنطقة خصوصاً، الحق في أن تحترم سيادته، ويحترم استقلاله، ويحترم حق شعبه في الحرية وفي السلام.  والسبب الذي يدعوني إلى لفت نظر أشقائنا وأصدقائنا المثقفين إلى هذه الحقيقة البديهية هو أن كثرة منهم يطلقون العنان لمواقف ينحازون فيها بإطلاق إلى  فريق من السياسيين اللبنانيين، ضد الفريق الآخر، وإلى فريق كبير من اللبنانيين ضد فريق كبير آخر منهم، ويشاركون ذلك الفريق في تخوينه للفريق الآخر.  والصراع بين السياسيين اللبنانيين وأنصارهم هو، أسوة بما يحصل في كل بلد من البلدان، مظهر طبيعي لممارسة الحرية، لا سيما في الأنظمة الديمقراطية، التي يمتاز لبنان عن سائر البلدان العربية بممارستها منذ نشأته الدستورية الحديثة، قبل الإستقلال وبعده، وحتى هذه اللحظة.   لكن للصراع بين اللبنانيين اليوم خصوصيات، يمليها، من دون أن يبررها، التدخل الخارجي في شؤونه وشجونه ومصائره، من كل الجهات والإتجاهات.  وهو تدخل كان في السابق، وهو اليوم كذلك، المصدر الأساسي في تفاقم الصراعات والإنقسامات، وفي تفاقم الأزمات التي قادت إلى حروب أهلية في الماضي، ويمكن أن تقود إلى حروب أهلية في المستقبل، إذا لم يع المتصارعون المخاطر التي تقود البلاد إليها صراعاتهم، التي تستنفر فيها الغرائز إلى حدودها القصوى.   فلماذا يضع أشقاؤنا وأصدقاؤنا المثقفون أنفسهم، بفعل انحيازهم السياسي لفريق من اللبنانيين ضد الفريق الآخر، في هذا النوع الخطير من التدخل الخارجي الذي يؤجج الصراع، ولا يحسب أي حساب لنتائجه على لبنان وعلى اللبنانيين وعلى المنطقة برمتها؟  جوهر هذه الملاحظة، إذن، هو لفت نظر المثقفين العرب والأجانب إلى أن هذا الصراع حول مستقبل لبنان ليس من اختصاصهم، بل هو من اختصاص أبناء البلد الذين هم أدرى بشؤون بلدهم، وهم وحدهم الذين يتحملون نتائج صراعاتهم فيما بينهم حول الأمور المتصلة ببلدهم.  وفي إشارتي هذه إلى مخاطر انحياز بعض المثقفين العرب والأجانب إلى أحد فريقيّ الصراع في لبنان، لا أريد أن أحرمهم حقهم في هذا الإنحياز السياسي.  لكن ما أريد أن أنبه إليه مثقفينا هؤلاء هو أن تدخلهم في الصراع القائم في لبنان، الذي هو صراع لبناني في جوهره، إنما يسيئ إليهم في نظر كثرة من اللبنانيين الموجودين في الضفة الأخرى من الإنقسام السياسي.  إذ يجعلهم هذا الإنحياز، المتوتر في التعبير عنه أسوة بما هو قائم عند اللبنانيين، شركاء مع الخارج الذي يتبنون موقفه، في صراع داخلي وحدهم اللبنانيون هم أصحاب الشأن فيه وفي نتائجه.  ولن أدخل هنا في تفاصيل تلك المواقف التي يكثر المثقفون من هنا ومن هناك في إعلانها، من دون معرفة دقيقة بجوهر الصراع في لبنان وبخصوصياته، ومن دون حساب دقيق للنتائج المترتبة على مواقفهم المتسرعة المتوترة في الشأن اللبناني البالغ التعقيد.  ولن أدخل، هنا، في تفاصيل الأوضاع القائمة في بلدان هؤلاء الاشقاء والأصدقاء، التي تحتاج إلى الكثير من جهدهم ومن اهتمامهم، لصعوبتها ولكثرة التعقيدات فيها، والتي تقتضي منا بأن نتضامن معهم في النضال لإحداث التغيير فيها بإرادتهم الحرة، من دون أي تدخل خارجي من أي نوع كان، ومن أية جهة أتى.

تلك هي الملاحظة الأولى.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق، من جهة، بالموقف العام من الدور الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة وفي العالم لتأمين هيمنتها المطلقة على مصائر البشرية، وتتعلق، من جهة ثانية، بالموقف العام من الصهيونية ومن دولة إسرائيل ومن شراسة وهمجية عدوانيتها ضد الشعب الفلسطيني خصوصاً، وضد الشعب اللبناني كذلك.   ولا أعتقد أن ثمة خلافاً يمكن أن ينشأ بين الديمقراطيين في كل مكان، وفي لبنان خصوصاً، حول أن كلاً من أميركا وإسرائيل تمارسان دوراً متكاملاً، ليس ضد شعوب منطقتنا وحسب، بل ضد شعوب العالم، على الأقل فيما يتعلق بقضية السلم، وبحق الشعوب في تقرير مصائرها بحرية، وفيما يتعلق بمناهضة سياسة الهيمنة والعدوان والتدخل الفظ في شؤون البلدان الأخرى، الصغيرة والفقيرة منها على وجه الخصوص.  لكن ما أريد أن ألفت النظر إليه، في موقف أشقائنا وأصدقائنا المثقفين، هو أنهم يعتبرون، ربما من دون قصد، أن لبنان هو الساحة الوحيدة، في المنطقة وفي العالم، لممارسة الصراع ضد هاتين القوتين الغاشمتين.  وفي مثل هذا الموقف ما يبدو ظلماً للشعب اللبناني، هذا الشعب الذي مارس النضال في الإتجاهين المشار إليهما على امتداد ما يزيد عن نصف قرن، وقدم في هذا النضال التضحيات الجسام، وحقق إنجازات تاريخية تمثل آخرها في تحرير أرضه بالكفاح وبالدم، وصار من حقه أن ينعم بالحرية وبالسلام، مقرونين بالسعي لبناء دولته ومؤسساتها، وبالنضال على الجبهة الداخلية لتحقيق التقدم الإقتصادي والإجتماعي لبلده ، في جوانبه المختلفة. 

هاتان هما الملاحظتان اللتان أردت أن أوجههما، بصدق وحميمية وبمسؤولية، إلى المثقفين العرب والأجانب، حول طريقة تعاملهم مع الأزمة اللبنانية القائمة، ومع القضايا المتصلة بحاضر لبنان وبمستقبله.

 

 
.
Francais
Arabic
English
مقدمة مقالات كتب و اصدارات اعلام في الثقافة ارشيف للاتصال بنا