كريم مروة
مقدمة
مقالات
كتب و اصدارات
اعلام في الثقافة
ارشيف
للاتصال بنا
اعلام في الثقافة

الياس أبو شبكة

 

لم يكن الياس أبو شبكة واحداً من كبار شعراء عصره في النصف الأول من القرن العشرين، وحسب.  بل كان، إلى جانب ذلك، واحداً من كبار كتاب ذلك العصر.  وإذا كان قد تميز شعره بالرومانسية، كما عرّفه النقاد القدامى والجدد، فإن كتاباته في النقد الأدبي والإجتماعي والسياسي التي امتلأت بها الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، المصرية خصوصاً، قد تميزت بالصراحة وبالسخرية المتحررتين من أي اعتبار.  وكان من أبرز ما عرفت به كتاباته تلك الرسوم بالكلمات التي وضعها لعدد من الشخصيات السياسية والإجتماعية والأدبية بتوقيع "رسام"، وصدرت في كتاب بعنوان "الرسوم".  فقد حرص أبو شبكة أن يدمج في هذه الكتابات، بدقة العارف والواثق وصاحب الرأي الحر، بين الملامح البشرية الظاهرة وبين الطباع والأمزجة، والمواقف التي تعبر عن هذه الأمور كلها عند كل من هذه الشخصيات.  وفي تقديري فإن فن الرسم بالكلمات، كما تبيّن رسوم الياس أبو شبكة ونظيراتها في أدبنا العربي القديم، هو فن أدبي يستحق أن يستعاد من التاريخ، وأن يحتل مكانه في الأدب العربي المعاصر كواحد من أجناسه المعروفة الممتازة.

من هذا التعريف الأولي لالياس أبو شبكة أدخل في رحلة الكتابة عنه وعن مسيرته الشخصية والأدبية، التي عبرت عنها بأمانة كتاباته، شعراً ونثراً.  وهذه الكتب والكتابات هي تراثه الغني الذي تركه أبو شبكة لنا وللأجيال القادمة.   وتتقدم هذه الكتب التي بين يديّ المجموعة الكاملة لأعماله الشعرية ولكتاباته النثرية التي اهتم بنشرها وقدم لها وليد عبود حفيد الأديب العربي الكبير مارون عبود.  ومن بين هذه الكتب التي بين يديّ كتاب بعنوان " أوراق مطوية في ذلك الزمان" نشره وقدم له إدوار أمين البستاني.  وهو كتاب يضم مجموعة من كتابات أبو شبكة النثرية.  ومن بين هذه الكتب أيضاً كتاب يضم دراسات وذكريات عنه اهتم بنشرها في أعقاب وفاة أبو شبكة صديقه منذ الشباب الأول فؤاد حبيش، مؤسس مجلة "المكشوف".  وقد شارك في هذه الدراسات والذكريات عدد من كبار شعراء وأدباء تلك الحقبة.  تضاف إلى هذه المراجع ثلاثة كتب لثلاثة أدباء هم: رزوق فرج رزوق وجورج غريب اللذان أعدا كتابين يتضمنان دراسة شاملة لأبي شبكة في سيرته الشخصية والأدبية، وجميل جبر الذي أعد كراساً مدرسياً حول أبي شبكة.  وتنضم إلى هذه اللائحة من المراجع التي شغلتني في القراءة والبحث والتفتيش عن الياس أبو شبكة مجموعة دراسات ومقالات أخص منها بالذكر ثلاث دراسات: الأولى بامتياز هي دراسة محمد دكروب التي ضمها كتابه "جذور السنديانة الحمراء" الذي يؤرخ فيه لنشوء الحزب الشيوعي اللبناني.  في هذه الدراسة يلقي دكروب الضوء على الجانب المهمل في الدراسات الأخرى  عن  أبي شبكة، هو الجانب السياسي في مواقفه، شعراً ونثراً وسلوكاً. إذ يشير دكروب بوضوح في دراسته إلى يسارية الشاعر، بصفته صديقاً للعمال وللفقراء، وصديقاً للحزب الشيوعي اللبناني تحديداً.  يؤكد دكروب بأن مواقف أبو شبكة تلك استمرت من دون تغيير منذ مطالع شبابه حتى وفاته.  الدراسة الثانية هي دراسة يوسف صقر المنشورة في جريدة السفير في ثلاث حلقات.  في هذه الدراسة يلقي صقر الأضواء على الجوانب المتعددة في النقد الأدبي والإجتماعي والسياسي عند أبي شبكة،  مستشهداً بعدد من رسومه بالكلمات لعدد من الشخصيات الأدبية والسياسية لتلك الحقبة التي ضمها كتاب "الرسوم"، الذي أشرت إليه قبل قليل.  أما الدراسة الثالثة فهي لعصام محفوظ التي  يتناول فيها شخصية أبي شبكة الشاعر والكاتب والثائر اليساري.  وقد نشرت هذه الدراسة في جريدة النهار في الذكرى الخمسين لوفاة أبي شبكة.

نبدأ الرحلة مع الياس أبو شبكة من تاريخ ولادته.  فقد ولد الياس في عام 1903 في مدينة بريفيدانس في الولايات المتحدة الأميركية حيث كان يعمل أبوه تاجراً من أولئك التجار اللبنانيين الذين غامروا واجتهدوا وبنوا شروطاً ميسورة لحياتهم وحياة عائلاتهم.   وكان الياس في الشهر الثامن من عمره عندما عاد أهله إلى لبنان ليقيموا في بلدة "ذوق مكايل" في منطقة كسروان على مشارف خليج جونية الشهير.  وكان قد سبقه في الولادة أختان.  وظل هو الإبن الوحيد للعائلة.  وكانت "ذوق مكايل" البلدة التي أمضى فيها أبو شبكة طفولته وشبابه.  ثم استقر فيها على مدى حياته.  أحب أبو شبكة بلدته وتغنى شعراً ونثراً بجمالها وبجمال المنطقة التي تقع فيها.  وصارت، بالنسبة إليه، أكثر من منزل يأوي إليه.  صارت، كما وصفها، مركز وحيه، وموطن مواهبه، والفضاء الذي فيه كان يلتقي الأحبة والأصدقاء، برفقة نرجيلته، والتي فيها أمضى حياته في المعاناة بجوانبها المتعددة، حلاوة العشق ومرارته، والفقر الذي لازمه على امتداد حياته، والمرض الذي وضع حداً لحياته في منتصف الطريق.

دخل الياس مدرسة البلدة وهو في العام الخامس من عمره.  فأمضى فيها عامين. انتقل بعدهما إلى مدرسة "عينطورة" التي خرّجت أعداداً كبرة من أصحاب الكفاءات في كل المهن.  وكانت أول مدرسة من نوعها تدرس اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة العربية، الأمر الذي جعل الأكاديمية الفرنسية تقدم لها جائزة كبيرة تقديراً لدورها في نشر اللغة الفرنسية وآدابها في الشرق العربي.  كان الياس يذهب إلى مدرسة "عينطورة" كل صباح قاطعاً كيلومترين مشياً على الأقدام صيفاً وشتاءً.

كان والد الياس التاجر المغامر على سفر دائم.  وكانت وجهته البلدان التي كان يرى فيها مجالاً لازدهار تجارته.  ويبدو أن مصر والسودان كانا البلدين اللذين كان يكثر السفر إليهما.  وكانت بلدته "ذوق مكايل" محطته بين سفرة وسفرة.  وكانت إقامته فيها لا تطول إلا أياماً معدودات.  ولم يكد يبلغ الياس التاسعة من عمره حتى فاجأته مأساة فقد أبيه.  فقد قتل على يد قطاع الطرق في إحدى سفراته إلى مصر.  وكان ذلك على أبواب عيد الميلاد.  وكان الياس مع والدته وشقيقتيه ينتظران عودة الأب الكثير السفر ليقضوا معاً سهرتيّ الميلاد ورأس السنة.  كانت الصدمة عميقة الأثر في حياة الطفل.  وظلت تلك الصدمة ترافقه في آثارها مدى حياته.  إذ أن العائلة انتقلت من اليسر الذي كانت تجارة الأب ومغامراته مصدرها إلى العسر البالغ الشدة بعد فقد معيلها.  وصار الفقر رفيق حياة الياس على مدى العمر كله.  وقد حفلت قصائده وكتاباته في الصحف والمجلات بالحديث عن الفقر والفقراء، وعن الأغنياء، وعن حال كل من هاتين الطبقتين الإجتماعيتين، وعن الفوارق بينهما، وعن آثار ذلك في الحياة السياسية والإجتماعية في بلده لبنان، وعن آثار ذلك في العالم في شكل عام.  ولعل هذا الواقع هوالذي خلق وعمّق روح التمرد عند أبي شبكة منذ شبابه الأول، ابتداءاً من اللحظة التي كان لا يزال فيها على مقاعد الدراسة.  وكان يترافق تمرده هذا بشعور عميق وحاد بالكرامة وبالتمسك بالأخلاق وبالإستقلالية في مواقفه، إلى الحد الذي جعلته هذه الصفات والسمات يصطدم في أحيان كثيرة حتى مع أعز أصدقائه، عندما كان يختلف معهم في شأن من الشؤون الأدبية والثقافية العامة، وفي القضايا السياسية كذلك.

عندما وقعت الحرب العالمية الأولى توقفت مدرسة "عينطورة" عن التدريس أسوة بسائر المدارس.  فأخذ الياس يدرس على نفسه.  وانصرف إلى قراءة الشعر وألوان أخرى من الأدب باللغتين العربية والفرنسية.  وقادته قراءاته تلك إلى التعلق بعدد من كبار الأدباء في فرنسا.  وتعرّف في الوقت ذاته، من خلال قراءاته تلك، إلى أفكار الثورة الفرنسية.  وقد أعجبته شخصية نابليون منذ البدايات.  فألف كتاباً عنه فيما بعد.  وأطلق على نابليون في الكتاب صفة "مسيح الثورة الفرنسية في أوروبا".  وترجم العديد من القصائد لعدد من الشعراء الفرنسيين.  واهتم خصوصاً بترجمة عدد من مسرحيات موليير.  كما أصدر كتاباً عن لامارتين.

عاد الياس إلى مدرسة "عينطورة" بعد انتهاء الحرب.  لكنه لم يبق فيها طويلاً.   فغادرها.  وبدأ يبحث عن حياته خارج الدراسة.  كان يبحث عن الحب وعن العمل في الآن ذاته.  وظل هذان الهمّان رفيقيّ حياته حتى اللحظة الأخيرة منها.  وكان إبداعه الأدبي يتجلى في أشعاره، وفي كتاباته، وفي تأملاته وذكرياته التي دوّنها في يوميات.  كما كان يتجلى إبداعه في كتابات أخرى متفرقة، بما في ذلك في النقد السياسي.

تنوّعت وتعدّدت ميادين العمل التي كان يسعى إليها أبو شبكة لتأمين عيشه.  مارس التعليم، ثم تركه باحثاً عن نوع آخر من العمل.  وعمل موظفاً في دوائر الدولة.  ثم ترك الوظيفة لشعوره بأنه لم يكن في المكان الذي يلائم أخلاقه ومواقفه السياسية.  كان يبحث عن عمل من نوع آخر يحقق له حريته، ويؤمن له مصادر العيش الكريم، ولو في حدوده الدنيا.  ووجد ضالته في أول الأمر، في الإتفاق مع "دار صادر" على ترجمة بعض الروايات والقصص والمسرحيات وسير الشعراء البارزين عن الفرنسية، مقابل أجر هزيل.  لكنه غادر ذلك العمل لأنه لم يرقه ولأنه أحسّ، كما أظن، أن ذلك ربما سيضعف عنده قوة الإبداع في شعره وفي كتاباته الأدبية الأخرى، وأنه ربما سيشوّه شخصيته.  فذهب من جديد باحثاً عن ميدان آخر، أكثر ملاءمة مع طموحاته ومع خصوصيات شخصيته إلى أن وجدها في الصحافة.  كانت باكورة أعماله الشعرية هي ديوان "القيثارة" (1926) الذي جمع فيه القصائد التي كتبها في الفترة الممتدة من السادسة عشر حتى العشرين من عمره.  وكان قد عرف الحب في تلك الفترة وعرف المعاناة في الحب.

في مطالع عشرينات القرن بدأت تتكوّن شخصيته في جوانبها المختلفة.  وبدأ اسمه يبرز في عالم الشعر كواحد من الشعراء الواعدين. وتفتحت أمامه مجالات العمل في الصحافة.  وكانت تلك هي المهنة التي أمضى عمره في العمل فيها، متنقلاًَ من صحيفة إلى أخرى، ومن مجلة إلى أخرى.  وكانت أولى تلك المجلات التي اختارها للعمل فيها هي مجلة "المعرض" التي أنشأها في عام 1921 ميشال زكور، أحد أركان الحزب الدستوري اللبناني، مع صديقه الصحافي ميشال أبو شهلا.  وكان أبو شبكة من بين عدد من الأدباء والشعراء الذين التقوا في الكتابة في تلك المجلة.  وكانوا متأثرين بأفكار جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وبأفكار الرابطة القلمية التي كان قد أسسها  في الولايات المتحدة عدد من كبار أدباء المهجر اللبنانيين.  وكان معظم كتاب "المعرض" متأثرين بأفكار الثورة الفرنسية.  وقد تشكلت من عدد من هؤلاء الأدباء فيما بعد عصبة العشرة التي كان من أبرز أعضائها، إلى جانب أبي شبكة، فؤاد حبيش وخليل تقي الدين وكرم ملحم كرم.  ويقول أبو شبكة في الحديث عن العصبة أنها كانت في الحقيقة تضم أربعة أدباء هم الذين بقوا فيها من أصل العشرة الذين أسسوها.

كان هدف العصبة محاربة الظلم الإجتماعي والسياسي، والدعوة إلى أدب يواكب تطورات العصر. وكان أعضاؤها يختلفون في توجهاتهم تلك مع مذهب "الفن للفن" الذي كان له أنصاره في ذلك الحين بين كبار الأدباء والفنانين في لبنان وفي العالم العربي.

كان البحث عن الحب يؤرق أبا شبكة ويخلق له المتاعب.  وإذ كان قد تعرّف إلى أولغا في أوائل العشرينات، وأعلن لها عن حبّه وقرّر أن يخطبها، فإنه ظلّ ينجذب إلى الجمال حيث كان يلتقيه.  كان يخضع بسهولة لشهواته.  وقاده ذلك إلى الذهاب عميقاً في حب من كان يلقاها من النساء.  وكانت أولى مغامراته مع امرأة متزوجة.  وقد أدت علاقته مع تلك المرأة، بعد أن اكتشف أمرها، إلى الخلاف مع أولغا.  فقررت فسخ الخطبة بينهما.  وظلّ أبو شبكة على هذا المنوال في سلوكه سنوات عدة، إلى أن عاد إلى رشده، أو على الأصح، إلى أن فرضت عليه الظروف ذلك، وبحدود.  ساعده في ذلك عدد من أصدقائه الذين توسطوا بينه وبين أولغا.  وانتهى الأمر بزواجهما رسمياً في عام 1932.  وقد غنى أبو شبكة عشيقته الأولى أولغا، زوجته الوحيدة حتى آخر العمر، في ديوانه الذي أعطاه عنوان "غلواء" وصدر في عام 1945.  في حين أنه غنى عشيقته الثانية، التي أشبعت شهواته، في ديوانه "أفاعي الفردوس" الذي صدر في عام 1938.  لكن زواجه  من أولغا لم يمنعه من الإستمرار في نزواته وشهواته والخضوع السهل لها، رغم المتاعب التي كانت تسببها له.  وكانت تلك المتاعب كثيرة، وثقيلة على حياته.

وفي حين كانت هواجس العشق ونزق الحب يأخذان من وقته الكثير، إلا أنه كان مهموماً بالبحث الدائم عن العمل.  وكانت تتعمق، في الوقت عينه، وتغتني إبداعاته في الشعرخصوصاً، وفي النثر كذلك.  واحتلت قصائده مكاناً بارزاً في الصحف والمجلات في لبنان وفي مصر.  أما كتاباته في تلك الصحف والمجلات فكانت مصدر رزقه. كان يرسل إلى مجلتيّ "المقطف" و"البلاغ" مقالات في شكل رسائل.  وكان يكتب في الصحف والمجلات اللبنانية كمحرر ثابت فيها، الواحدة منها تلو الأخرى.  وهي كانت عديدة.  فإلى جانب مجلة "المعرض" لصاحبها ميشال زكور، تنقل بين مجلات "البرق" لصاحبها الأخطل الصغير، و"العاصفة" لصاحبها كرم ملحم كرم، ثم "الأحرار" و"الجمهور" و"لسان الحال" و"النداء" وأخيراً "المكشوف"، التي أقام فيها طويلاً مع مؤسسها صديقه فؤاد حبيش.  لكنه كان قد بدأ يكتب في "الصحافي التائه" لصاحبها اسكندر الرياشي مع صديقه "الشيخ الباكي" يوسف ابراهيم يزبك،  الذي كان يكتب مقالاته بتوقيع "الشيخ الباكي"، وفي "زحلة الفتاة" لصاحبها شكري بخاش.   

 صدرت لأبي شبكة  عدة دواوين كان أولها ديوان "القيثارة" في عام 1926.  وتوالت الدواوين الواحد منها تلو الآخر في فترات متباعدة.  وهذه الدواوين هي "المريض الصامت" في عام 1928، و"أفاعي الفردوس" في عام 1938، و"الألحان" في عام 1941، و"نداء الكتب" في عام 1945، و"غلواء" في عام 1945، و"من صعيد الآلهة" الذي صدر بعد وفاة الشاعر في عام 1959. 

أما كتبه النثرية فتتوزع بين القصص التي صدرت في كتاب بعنوان "طاقات زهور" و"العمال الصالحون" في عام 1927، و"تاريخ نابليون" في عام 1929، و"الرسوم" في عام 1931، و"لامارتين" في عام 1933، و"المجتمع الأفضل" في عام 1943، و"روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة" في عام 1944.  وقد أشرت في مطلع هذا الحديث إلى أن إدوار أمين البستاني قد جمع له بعض نصوصه في عام 1997 تحت عنوان " أوراق مطوية في ذلك الزمان".

هذا العرض المكثف لسيرة الياس أبو شبكة لا يكفي لتقديم صورة حقيقية عن الرجل، شاعراً وكاتباً  وصاحب رأي وموقف في كل ما يتصل بالأدب وبالثقافة عموماً، وما يتصل بالشأن العام في بلاده، وما يتصل بقضايا الحياة والكون والوجود الإنساني.  ولن أكتفي بما قد توفر عندي من رأي حول شاعرنا، هيأته لي قراءتي لبعض شعره ولبعض نثره.  بل أنني سأستعين ببعض نصوصه شعراً ونثراً لمساعدة القارئ في تحديد رأيه وموقفه من شاعرنا.  كما سأستعين بآراء بعض معاصريه من الأدباء وبآراء بعض الذين عرفوه مثلي من خلال قراءة آثاره.  وفي الواقع فإن متابعتي القديمة والحديثة لسيرة الياس أبو شبكة ، شعراً ونثراً ومواقف سياسية واجتماعية، وما قرأته من آراء لمعاصريه حول شعره ونثره، على وجه الخصوص، تدعوني للقول، من دون تحفظ، بأنه واحد من كبار شعرائنا وأدبائنا في النصف الأول من القرن العشرين.  بل هي تدعوني كذلك للقول، من دون تحفظ أيضاً، بأنه قد تميز في مواقفه السياسية والإجتماعية عن كثيرين من مثقفي تلك الحقبة.  وكان في مواقفه الفكرية والسياسية وفي ثورته على التقاليد وعلى فساد السياسيين وعلى ظلم الأغنياء للفقراء، أقرب إلى عمر فاخوري ورئيف خوري اللذين كانا ملتزمين فكرياً وسياسياً بالإشتراكية وبعلاقة صداقة مع الحزب الشيوعي.  وأقرب كذلك إلى أمين الريحاني وجبران خليل جبران من أصدقائه ومعاصريه الآخرين من الأدباء من أهل الفكر والثقافة.  لكنني لن أذهب إلى القول بأنه كان صاحب فكر واضح في ميله إلى الإشتراكية، مثل رئيف خوري وسليم خياطه ويوسف ابراهيم يزبك، حتى حين كان يشارك  العمال في احتفالات أول أيار منذ مطالع العشرينات، ثم حين كان يشارك حزب الشعب (الحزب الشيوعي) في عام 1925 في الإحتفال التاريخي بعيد أول أيار، إلى جانب فؤاد الشمالي، الأمين العام للحزب، ويوسف يزبك، أحد مؤسسي الحزب، وآخرين من رواد تلك الحركة الطليعية في لبنان.  وألتقي في هذا التقدير لموقف لأبي شبكة الفكري مع بعض استنتاجات محمد دكروب في تقييمه ليسارية أبي شبكة.  ألتقي مع دكروب في التقدير بأن شاعرنا كان سبّاقاً في التأثر بأفكار الثورة الفرنسية، دامجاً بحدود معينة بين تلك الأفكار والأفكار التي نادت بها ثورة أوكتوبر الإشتراكية، الأفكار التي حملها شيوعيو لبنان، من المثقفين والعمال، ابتداءاً من أوائل عشرينات القرن الماضي، وأسسوا، استناداً إليها، حزبهم، "حزب الشعب"، ثم الحزب الشيوعي بين عامي 1924 و 1925.    وقد استغربت، خلال قراءتي لما كتبه عنه أصدقاؤه في أعقاب وفاته، ولما جاء في الكتب التي تناولت شعره ونثره وسيرته، كيف أن الجميع، باستثناءات قليلة، قد تجاوزوا هذا الموقف السياسي والإجتماعي الواضح عند أبي شبكة.   وفي أي حال فإن المهم في شعر وأدب أبي شبكة هو نزعة التمرد عنده، ورفضه للظلم الإجتماعي، وإعلانه الحرب على فساد السلطات، ونقده القوي الحازم للرأسمال المتوحش ولأصحابه، وتعاطفه الواضح مع جمهور الفقراء من عمال وفلاحين.  وهي مواقف تمتلئ بها قصائده منذ مطالع شبابه حتى آخر لحظة من حياته. 

لنقرأ بعض أشعاره التي تعبّر عن مواقفه التي نشير إليها.

يقول في قصيدة له عن ثورة أوكتوبر التي كتبها في عام 1944:

لينين، أحلامك الغـــراء قد صدقت              فانفض ترابك، يكفي ذلك الغـرق

لم يبق من شرعة الدنيا سوى رمق            والمُستَرِدُُّون بـاقٍ منهم رمــــــق

بوركت يا نهضــــة للشعب ثائــرة              هذي الروائع من إيمانها عبـــــق

إن البقاء على الإيمـــــــان مرتكز،             الأقوياء مضوا والمؤمنون بقــــوا

 

ويقول في قصيدة يرثي بها صديقه الأديب عمر فاخوري في عام 1946:

أخي عمر الثاوي على الحب والرضى         لقد  أورق الحلم الذي كنت تزرع

كتابــــك  مفتــــوح   ووجهــك  ماثــل          وقبرك  منشور  الندى   متضرع

لكن قصيدتيه عن لينين والثورة الحمراء وعن عمر فاخوري اللتين كتبهما في آخر أيام عمره، إذ تؤكد أن استمراره في موقفه السياسي الذي يعبر عن يساريته وعن صداقته مع الشيوعيين وعلاقته الفكرية بثورة أوكتوبر، فإنها تشكل ارتقاءً في موقفه السياسي والإجتماعي هذا الذي كان قد بدأ منذ مطلع عشرينات القرن الماضي.  وهو ما تشير إليه هذه المقتطفات من بعض أشعار تلك الفترة المبكرة من حياته، ومن بروز اسمه كشاعر كان يصعد نجمه بسرعة فائقة. 

يقول مخاطباً صديقه يوسف ابراهيم يزبك الذي كان يكتب في جريدة "الصحافي التائه" بتوقيع "الشيخ الباكي":

شبح الدموع تمضك الأتـــــراح                  هـــــون عليك فكلنــــا  أشبــــــاح

مـــاذا تؤمل من رحيــق فاســـد                  قد زخــرفت ألوانــــه  الأقــــــداح

هذا الوجود جنينــــة مرغوبـــة                  قـــد غـــــرّ فيها آدم   التفــــــــاح

هذا الوجود مشانق نصبت لنــا                  والظلم في ساحاتهــا  الســفـــــاح

أوَ ما ترى الفلاح بعد جهــــاده                  يلقــى الشــــقاء لأنــــه  فـــــــلاح

فكأن إكرام الفقير محــــــــــرّم                   وكأن إكــــــــرام الغنــي مبـــــاح

تلك الجفون وقد ذرفت دموعها                  أيرود خلف سجوفها الإصـــلاح؟

إن كان ذرف الدمع يصلح أمة                   فمدامـــــع في أمتــــي ونــــواح

ويعبّر في بعض قصائده الأخرى عن ثورته تحت عناوين مختلفة.  فيقول في قصيدة بعنوان "ما نجيب الأبناء إن سألونا":

لي نفس كالبحر ذات اتســــــاع                 فلبابٌ يلقى بها، وقشـور

تبصق الرجس عن عفاف وطهر                واللآلي تبقى بها، فتغور

لا يغرّنــك أننــــي مســتكــــــن                   فإلى ثورة سكوتي يشـير

ويقول في قصيدة بعنوان "ليس عن ضعف قعودي":

يعرف النـذل ولـــــو                                حط على الرأس عمامـة

كل نـذل مســــــــتبد                                في محيــــاه علامـــــــة

لـم أحاربـه بســــيف                               بل بصدق واســـتقامـــة

ويقول في قصيدة بعنوان "الحرية":

عشقتك دون البعض روحاً تمردت              على كـل غدار محــاب وكــاذب

لقـد حطمت دون الجميـــع قيودهــا             وسارت بأبطال لها في المـواكب

عشــــقتك دومـــاً أمــــة مستقلــــة             ولا شأن في استقلالهــا للأجانب

عشقتك فوق الكل شاعرة لهــــــــا              مواهب تسمو فوق كـل المواهب

كتبتِ علـــــى لوح الوجود بريشة               لها مهبط الإلهـــام أكبــر كــاتب

 

 

هذه المواقف السياسية والإجتماعية التي عبّر عنها أبو شبكة في شعره إنما تكتمل في مقالاته الحافلة بالنقد السياسي والإجتماعي والأدبي.

لكن أبا شبكة اشتهر كشاعر أكثر مما اشتهر ككاتب.  وبرز بين شعراء عصره كأحد أهم الشعراء الرومانسيين.  إذ هكذا عرّف النقاد في ذلك الزمان وفي الزمان الحالي شعره.  وقد جاءته الرومانسية من مصدرين، كما بدا لي من قراءتي لسيرته.  المصدر الأول لهذا الإتجاه الرومانسي عنده يتمثل في الملامح الخاصة لشخصيته، وفي طباعه وأمزجته وأطوار حياته.  ويتمثل في علاقته بالمرأة وفي الفهم الخاص عنده للحب، وفي ممارسته الخاصة به للحب.  كما يتمثل المصدر الأول لرومانسيته بحبه للطبيعة، وبالشكل الذي يتخذه تمرده على التقاليد البالية، ورفضه للظلم، وتعاطفه مع الفقراء، وحقده على المنافقين والفاسدين من أهل السياسة، وحقده على الأغنياء الذين يتجاوزون في سلوكهم كل القيم وفي المقدمة منها الأخلاق.  وهي جميعها مكونات موضوعية أسهمت في تحوّله نحو الرومانسية في حياته وفي شعره وفي ثورته على كل ما كان يراه في بلده وفي العالم مناهضاً للحرية وللعدالة.  أما المصدر الثاني لتوجهه الرومانسي في أدبه فيتمثل في ثقافته التي عرّفته على المدرسة الرومانسية في الأدب الفرنسي. فأولع برموزها وتأثر بهم.  وترجم لبعضهم.  وألف كتاباً عن لامارتين، كما أشرت إلى ذلك في مطلع هذا الحديث.

وباستطاعة القارئ لشعره أن يلاحظ بوضوح ومن دون عناء هذا الأثر الذي مارسته عليه المدرسة الرومانسية الفرنسية.  وقد كتب النقاد كثيراً حول هذا الأثر، ممن عاصروه، وممن جاءوا بعده.  وهذه نماذج من شعره الرومانسي في الغزل والمرأة والحب.

يقول في إحدى قصائده:

أترى جاءت لكي تصطاد في البحر السمك

أم أتت تصطاد قلبــــــــي بلحــاظ كالشبــك

إيه يا صـــــائدة الأسماك، لست الســـــمكة

حوّلي الأشراك عن قلبي، وكفي الحـــــركة

إن قلبي عالق في غير هذي الشبكـــــــــــة

ويقول في قصيدة بعنوان "هيكل الشهوات":

ذكرت ليلة أمس، فاختلجت لها        والليل سكران ما سحت السحب

ذكرتها، غير أن الشك خالجني:       إن النساء إذا راوغن لا عجــب

فهنّ من حية الفردوس أمزجـة        يثور فيهن من أعقابها عصـــب

ويقول في قصيدة بعنوان "عهدان":

لا تطعم الحب اللجـــام ودعـه يدلج في سراه

دعه، فأم الطفــل تملكــه كما ملكت ســــــواه

لسريرها خلجــــاته ولمرشفيها مرشفـــــــــاه

ونساء هذا العصر، إن أحببن، أطعمن الشـفاه

أما قلوب العاشقات، فإنها ... وآخجلتــــــــــاه!

ويقول في قصيدة بعنوان "الشهوة الحمراء":

أميرة الشهوة الحمراء، إن دمي                من نسلك الهادم المهدوم، فاحترمي

خلقت تحترفين الموت، فاقتربي                مني، فإني احترقت الموت من قدم

حملت منجله في العهر منتقمـــاً                من النساء، فهاتيـــــه لتنتقمــــــــي

هاتي من العهر أشكالاً ملونــــة                 نمهر بها بعضنا بعضاً، وننهـــــدم

لقد تعبت من الأحلام، في جسـد                 ملّ العفاف بألوان من الألــــــــــــم

ويقول في قصيدة بعنوان "الصلاة الحمراء":

رباه، عفــــوك، إني كافر جــــان                جوعت نفسي، وأشبعت الهوى الفانـــي

تبعت في الناس، أهـــواءً محرمة               وقلت للنـــــاس، قــــولاً عنـــــه تنهاني

ولم أفق من جنون القلب في سبلي             إلا وقد محت الأهـــــــــــــــواء إيمانــي

 قد يبدو في هذه النماذج من شعره ما يتعارض مع ما اصطلح على وصفه بالشعر الرومانسي.  قد يبدو ذلك للقارئ.  لكن النقاد أجمعوا على أن السمة الأساسية لشعر أبي شبكة هي الرومانسية.  إلا أن الرومانسية لم تنحصر في الكتابة الشعرية عند أبي شبكة.  بل هي تبرز أيضاً في كتابته النثرية.  وأزعم أنها تبرز كذلك حتى في مواقفه السياسية والإجتماعية.  وهذا ما استنتجته من خلال قراءتي لنماذج من أدبه السياسي والإجتماعي، شعراً ونثراً، بما في ذلك في مفهومه للثورة، وفي صيغة علاقته بالعمال وبالفلاحين وبالفقراء، وفي صيغة ارتباطه بأفكار الثورة الفرنسية، وفي صيغة علاقته بالحزب الشيوعي اللبناني وبثورة أوكتوبر في شخص زعيمها لينين.  فهو، كما أشار إلى ذلك محمد دكروب ووافقته عليه، لم يكن صاحب فكر واضح وناضج.  بل هو كان ثورياً رومانسياً بكل المعاني.

وإذا ما انتقلنا إلى مميزات كتاباته النثرية فإننا سنلاحظ أن هذه الكتابات تنقسم إلى ثلاثة أنواع:  النقد الأدبي، والنقد السياسي والإجتماعي، و الكتابة التاريخية.  ولم أقرأ له في النقد الأدبي، بالمعنى الدقيق للكلمة، سوى بحثين كتبهما لمجلتين مصريتين هما "المقتطف" و"البلاغ".  يضاف إليهما كتابه عن لامارتين، والمقدمة التي خص بها ديوان "أفاعي الفردوس"، دون سواه من الدواوين.  ويعرض أبو شبكة في هذه المقدمة موقفه المختلف عمن يعتبرون أن للشعر نظريات يخضع لها وترسم له حدوده.  أما في مقالاته الصحفية وفي خاطراته، فقد مارس النقد تماماً مثلما فعل في النقد السياسي والإجتماعي.  ولعل أجمل ما كتب في هذا المجال بتوقيع "رسام" رسومه بالكلمات لشخصيات سياسية وأدبية واجتماعية.  وصدرت هذه الكتابات في كتاب يحمل عنوان "رسوم".  أما البحث التاريخي فيتمثل في كتابيه: "تاريخ نابليون بونابرت" و"روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة".  وإذا كان في الكتاب الأول يعبّر عن إعجابه الشديد بشخصية نابليون فإنه في الكتاب الثاني يتحدث عن الروابط بين الثقافة العربية والثقافة الأوروبية، وعن تأثر الثقافة العربية بأفكار الثورة الفرنسية وبالأدب الرومانتيكي الفرنسي.  وتشير بعض عناوين فصول الكتاب إلى الجهد الذي بذله أبو شبكة في هذا الكتاب وإلى همومه الثقافية والفكرية فيه.  وفيما يلي بعض هذه العناوين: الإتصال الأول بين العرب والفرنجة، في منابع الثقافة الفرنسية، تأثر الشرقين بمبادئ الثورة الفرنسية، الأدب العربي والحركة الرومانطيقية، عهد النقل والإقتباس إلخ...

إلا أن الرسوم، إذا ما قرأناها بإمعان، إنما توازي، في نظري، بأهميتها شعره الرومانسي في جوانبه المختلفة، المرأة والحب والثورة والطبيعة.  وفيما يلي بعض النماذج من هذه الرسوم التي تبيّن مدى دقة وفراسة أبي شبكة في قراءة شخصياته التي رسمها.  ويأتي في مقدمة هذه الرسوم الرسم الذي وضعه لشخصيته هو، تحت عنوان "أنا".  يقول في رسم شخصيته:

"أما الآن وقد بلغت الثامنة والعشرين من عمري فيصح أن أقف أمام المرآة وأرسم هيكلي الخارجي، ثم أعود فأرسم نفسي وأخلاقي وعاداتي، معرضاً عن الحسنات القليلة التي علقتها بي الطبيعة.

يبلغ طولي مائة وثلاثة وسبعين سنتمتراً.  قامة رقيقة منتصبة تزن سبعين كيلو من الثياب والعصا. جبين بين العريض والمعتدل. ابتدرته الغضون منذ عشر سنوات، وتسنّمت ذروته شعور مشعشعة ثائرة كأنما هي نموذج عما في الصدر من البراكين.  بعيد ما بين الحاجب والحاجب.  أنف كبير فيه كثير مما تحمل الأساطير عن أنف سيرانو ده برجراك... خدان هزيلان إلا إذا ضغط الطوق على العنق فيستمدان منه بعض السمنة.  أما بشرة الوجه فتتحير بين السمرة والحنطة، وتطفو عليها سحابة الشحوب.. إذا انحدر نظرك عن رأسي بصرت بكتفين ترتفعان تارة وتهبطان أخرى كأنهما موجتان في بحر هائج.  أما إذا قدر لك أن تمد يدك إلى جيوبي – ولا أخالك تقدم على هذه المحاولة الخاسرة! – فتقع على أوراق غريبة لا يدرك قيمتها إلا من يعيش كما أعيش".

ويقول في رسم شخصية الأديب اللبناني فيلكس فارس:  " على وجهه قطرة جمال تأخذها العيون، وفي مقلتيه يواقيت من الألم لها في تموجات الحدقتين خفقان النجوم على أديم المياه... لم أره مرة رخيّ الصدر، فهو في يد العذاب أنى التقيته.  وقد يكون هذا الشيطان سجية فيه أو ظلاًّ  له."

ويقول في الشاعر اللبناني الأخطل الصغير: "وجه عصبي، يتقاسمه الحنان والتعب.  وقد يكونان تراث إحساسه وثورته  - وعينان وقادتان أقوت حدقتاهما إلا من البريق.  فكأنهما لكثرة ما أراق ماء شبابه في عهد الحب والشباب، تولدت فيهما إيماضة من الكهرباء."

ويقول في رسم شخصية الأديب اللبناني كرم ملحم كرم: " في السابعة والعشرين.  معتدل القامة، حدرت إليه الطبيعة بغدق من السمن فنال منه ما أيقن بطيب وجوهه وخلع الباقي.  عريض الجبين، منفرج الحاجبين، منحدر الأنف، نسيق الأسنان، متناسب الوجه كأنما فمه وأنفه وذقنه وخداه وجمجمته من نسل واحد.  أما لونه فلون السحاب المتقطع في شفق الربيع قبل غروب الشمس بدقيقتين. يزف في سيره زفيف القطار الكهربائي.  أما إذا وقف في مكان فيمكث طويلاً.  إذا وقع نظرك على فتى يمشي في الناس مشية الناسك في عزلته فلا يصرف النظر عن وجهته ولا يصرّف من أعضائه إلا قدميه كأنما هو قطار كهربائي لا يتحرك فيه إلا الدواليب، فقل هذا كرم ملحم كرم".

ويقول في رسم شخصية صديقه مؤسس مجلة "المكشوف" فؤاد حبيش: "مقبل العمر، ربعة القامة، منتصبها، أسود المقلتين، منفرج الجبين، أسمر البشرة في حمرة شفافة الأديم، منفتل الأعضاء صليبها.... تحسر من قبعته صيفأ وشتاءً، ولو قدر له أن يتكشف من جميع ثيابه لفعل، فهو يذهب مذهب العراة ويأخذ بآرائهم اعتقاداً منه أن مذهبهم هذا إنما هو المذهب الصحي المهذب".

أما السياسيون، فنقدم ثلاثة رسوم لثلاثة منهم.  الأول هو الشيخ محمد الجسر، أحد مرشحي الفرنسيين لرئاسة الجمهورية اللبنانية خلال فترة الإنتداب، الذي يقول فيه: "رجل من صعيد العمالقة.  فهو رفيع النجاد، منتصب كالأسطوانة، أشمط الناصية، نحاسي البشرة، مزمل الرأس بعمامة كأنها غيمة على هضبة...  في مقلتيه الصارمتين بريق صناعة تلقف أسرارها وعلم بمهب ريحها، هي صناعة السياسة. أما طلعته فتوحي الوقار في جميع صورها!"

ويقول في إميل إده، أحد رؤساء الجمهورية اللبنانية خلال فترة الإنتداب الفرنسي: "بركان من الذكاء ينفجر في هيكل بشري... وفم منغلق في صلابة تتدلف إلى العناد.  يخيل إليك أنه شيّد على كلمة: أريد!"

ويقول في الشيخ بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية اللبنانية في مرحلة الإستقلال، وذلك قبل أن يصل إلى موقع الرئاسة: "وجه "تراجيكي" لا أثر للعذوبة على قسمة من قسماته، إلا إذا ابتسم... وفم مقوّس تصدر عنه لمحة من السخرية يطفو ظلها على ذقن صغيرة تنعقد في سلخ الوجه ويندلق نصفها على جانبي خديه كأنما هي ذقن كردينال من كرادلة روما.  تولى رئاسة الوزارة أربع مرات فكان شأنه فيها شأن الرجل الهادئ الذي لا يصدر عنه ما يسيئ أو يسرّ".

 

الكتابة عن الياس أبو شبكة تبدأ ولا تنتهي.  فأمثاله من الشعراء والأدباء يشكلون بتراثهم مدرسة قائمة بذاتها.  وجميع هذه المدارس، ومنها مدرسة الياس أبو شبكة، بتنوّعها، وبتنوّع مجالات الإبداع فيها، هي ثروة في تاريخنا الثقافي والإجتماعي والسياسي، لا يمكننا الذهاب إلى المستقبل من دون أن نظل ننهل منها ونستمد منها زوادة للآتي من أيامنا.  نستمد منها ومن سيرة أصحابها ما نحن بحاجة إليه في صناعة غدنا الثقافي والإجتماعي والسياسي، على طريق الحرية والتقدم في مجالاتهما كافة.

                                                                                                    كريم مروة

 

 

 

 

 
 

 

مقدمة مقالات كتب و اصدارات اعلام في الثقافة ارشيف للاتصال بنا