كريم مروة
مقدمة
مقالات
كتب و اصدارات
اعلام في الثقافة
ارشيف
للاتصال بنا
اعلام في الثقافة

سلامة موسى 

سلامة موسى هو، بتعريف معاصريه له وتعريف الباحثين العرب من الأجيال اللاحقة، رائد كبير من رواد النهضة الحديثة في مصر وفي العالم العربي.  أسهم، بأفكاره وبمواقفه وبأبحاثه، في نشر ثقافة  المعرفة، ثقافة العلم والعلمانية والتقدم  والتطور، ثقافة التحرر من التقاليد القديمة البالية التي عمّمت عصور الظلام وخرافاتها وبدعها في عالمنا العربي في مطالع القرن العشرين وفي فترات لاحقة.  وهي تعم عالمنا العربي اليوم في أبشع صورها.  كما أسهم، مع آخرين من معاصريه أو الذين سبقوه إلى ذلك، في نشر أفكار الإشتراكية ، متأثراً في انتمائه إليها بأفكار ماركس، متخذاً له مدرسة خاصة من مدارسها، هي المدرسة الإشتراكية الفابية.  وهي كانت المدرسة التي تعرف إليها سلامة  لدى زيارته في مطالع القرن العشرين إلى لندن، وتعرّفه هناك إلى الأديب الإيرلندي الكبير برنارد شو، أحد مؤسسي "الجمعية الفابية"!!  والمعروف أن هذه الجمعية كانت في تبنيها للإشتراكية ترفض العنف كطريق للتغيير، وتعتبر أن التغيير باسم الإشتراكية ينبغي أن يحصل بالتدريج وبالتطور السلمي الديمقراطي.  ويقول سلامة في إحدى كتاباته المتأخرة في صيغة اعتراف، وهو يتحدث عن عدد من الذين  تعلّم منهم وتأثر بهم، بأن ماركس كان أكثر هؤلاء تأثيراً في حياته وفي أفكاره.  واعترف قبيل وفاته ببضعة أعوام، أي بعد قيام ثورة يوليو في مصر، بتأثره بماركس في انتمائه إلى الإشتراكية.  فيقول: ".... ومع أنني في كتاب "هؤلاء علّموني" قد ذكرت نحو عشرين من العلماء والأدباء والمفكرين وجهوا نشاطي الذهني وربّوا نفسي، فإني لم أذكر منهم كارل ماركس، داعية الإشتراكية.  والآن أحب أن أعترف أنه ليس في العالم من تأثرت به وتربيت عليه مثل كارل ماركس.  وإنما كنت أتفادى ذكر اسمه خشية الإتهام بالشيوعية".

وربما كان انتماء سلامة موسى إلى الإشتراكية الفابية الشكل الذي أخفى فيه انتماءه الأصلي إلى إشتراكية ماركس.  إلا أنه، في الواقع، ظل أميناً لانتمائه إلى الإشتراكية الفابية.  ويظهر ذلك بوضوح في رسالته المعروفة (1913) التي يحدد فيها مفهومه للإشتراكية، ويرد فيها على المعترضين عليها.  وقد خاض، باسم أفكاره هذه جميعها، معارك صعبة دفاعاً عن نظرية التطور عند داروين، بعد أن قرأ نظرياته وترجم له كتابه الشهير "أصل الأنواع" الذي يقول فيه داروين بأن للإنسان وللحيوان وللنبات تاريخاً كانوا  فيه  مختلفين عما هم عليه اليوم، وأن لهم مستقبلاً سيكونون فيه أيضاًً مختلفين عما هم عليه في حاضرهم.  كما قرأ بعناية فائقة أفكار فرويد، وتأثر بها، وكتب عدداً من الكتب في علم النفس لعل أشهرها وأهمها كتابه المعروف "عقلي وعقلك"، الذي حاول فيه الدخول، متأثراً بفرويد، ومقدماً نظرياته الخاصة في هذا العالم، في عالم النفس الإنسانية، الظاهر منها في السلوك، والباطن والخفي منها.

كتب الكثيرون عن سلامة موسى من معاصريه.  واتفق معه بعضهم في أفكاره وشاركوه في دعواته الجريئة للإنتقال بمصر من عصر التخلف إلى الحداثة التي كانت أوروبا السباقة في سلوك الطريق إليها.  وخالفه وخاصمه في آرائه تلك آخرون من معاصريه.  ورغم التردد الذي برز في بعض أفكاره ومواقفه، في بعض مراحل حياته، فإنه ظل منارة كبيرة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية في القرن العشرين.  ويختصر صديق عمره، كما يصفه هو، محمود الشرقاوي، صفات وسمات سلامة موسى على النحو التالي، في الكتاب الذي  كرسه له تحت عنوان "سلامة موسى ، المفكروالإنسان" الصادر في سلسلة "كتاب الهلال"، يختصرها بالكلمات التالية: "كان له وجه رجل، وذهن شاب، وحكمة فيلسوف، وصبر مكافح، وروح متصوف، ونفس ملاك، وجرأة بطل، وقلب طفل".  ويؤكد هذه الصفات عند سلامة موسى عدد من الكتاب والمفكرين العرب، كل منهم على طريقته، ووفق قراءته الخاصة به لأفكار سلامة موسى، الأديب، هنا، والعالِم هناك، والفكر السياسي هنالك.   لكنني أخص بالذكر، هنا، ثلاثة من هؤلاء الكتاب والمفكرين ينتمون إلى أجيال أربعة هم: لويس عوض وأنور عبد الملك وغالي شكري وكمال عبد اللطيف.

فمن هو سلامة موسى، متى ولد، وكيف نشأ، وكيف تطورت أفكاره ومواقفه، وكيف تكونت شخصيته التي ميزته، وجعلت منه رائداً كبيراً من رواد النهضة المصرية والعربية الحديثة، النهضة التي لم تأت ثمارها، برغم كثرة الداعين لها، والمناضلين من أجل تحقيقها، والشهداء الذين سقطوا في الطريق المؤدي إلى بلوغ أهدافها؟

يقول سلامة موسى ، مفتتحاً كتابه "تربية سلامة موسى"، الذي يقرأ فيه سيرته: "ميلاد كل منا هو مغامرة مع القدر.  نخرج إلى العالم بكفاءات وراثية لا تتغير من أبوين لم نخترهما.  ونعيش في وسط، تتكون فيه نفوسنا وتملى علينا فيه العقائد وطرز السلوك، قبل أن نستطيع تغييرها.  ثم تتوالى علينا الحوادث التي تقرر اتجاهاتنا في الحياة، وتقع بنا الكوارث التي نتكيف بها وننزل على مقتضياتها.  وعلى الرغم من أننا جيمعاً نصاغ في قالب البشرية، فإن كلاّ منا فذ في هذه الدنيا قد كتبت حظوظه، أو أكثرها، قبل أن يولد، إن خيراً وإن شراً.  و لذلك فإن قصة كل منا هي قصة فذة مفردة تستحق أن تروى وتقرأ".

ولد سلامة موسى في اليوم الرابع من شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1887.  وكان أصغر أخوته.  ولد في قرية صغيرة في ضواحي مدينة الزقازيق المصرية، في محافظة الشرقية.  كان أبوه مسيحياً أرثوذكسياً.  كان يشغل منصباً حكومياً، رئيساً لتحريرات مديرية الشرقية.  مات والده وهو في السن الثانية من عمره تاركاً لعائلته ثروة كبيرة تزيد عن مائة فدان، ومتاجر ومعاشاً للأولاد وللزوجة.  عاشت أمه بعد أبيه ثماني عشرة سنة.  وكانت سيدة متدينة تعتقد بالخرافات.  دخل سلامة في صباه كتـّاباً "مسيحياً"، حفظ فيه بعض الصلوات الدينية، ودخل كتـّاباً "إسلامياً" حفظ فيه بعض السور القرآنية.  لكنه خرج من "الكتـّابين" بعد ثلاث سنوات دون أن يتعلم القراءة.  في السن الحادية عشرة من عمره انتسب إلى مدرسة ابتدائية كان أنشأها الأقباط في المدينة.  ثم انتقل منها إلى المدرسة الحكومية بعد إنشائها، إلى أن نال الشهادة الإبتدائية. وأكمل دراسته الثانوية في القاهرة، في المدرسة التوفيقية أول الأمر، ثم في المدرسة الخديوية.  وكانت هذه المرحلة من دراسته شديدة القسوة عليه.  وقد تركت بعض آثارها في حياته، كما يقول صديقه محمود الشرقاوي. 

تميزت قراءاته الأولى في المرحلة الثانوية من دراسته بالبحث عن المعرفة، إرواءً لنهمه إلى معرفة ما كان يرى ضرورة معرفته في شتى ميادين المعرفة الإنسانية. وكان قد بلغ العشرين من عمره.  فكان يتابع مجلة "المتقطف" لمنشئها يعقوب صروف، أحد رواد العلم الحديث والمبشر والداعية لآراء ونظريات داروين في التطور.  كما كان يتابع ما تنشره مجلة "الجامعة" لمنشئها فرح أنطون، أحد رواد الدفاع عن الحرية الفكرية.  ثم تعرف إلى شبلي اشميل أحد رواد الفكر العلماني المعادي للغيبيات وللخرافات والبدع، والطليعي في الإنتماء إلى الإشتراكية وفي الدعوة لأفكارها.  ثم أخذ يقرأ في التراث العربي، باحثاً عن الكنوز فيه، التي كان من أبطالها الماوردي وابن المقفع. كما التفت بوعي ثاقب إلى كنوز الأدب الأوروبي الحديث، الفرنسي منه على وجه الخصوص.  كان فرح أنطون، كما يقول هو في كتاب سيرته، مرشده إلى هذا الأدب الأوروبي الرفيع.  لكنه كان يتأثر في السياسة وفي الوطنية المصرية بكتابات أحمد لطفي السيد في جريدة "الجريدة".  وكان يزداد كرهاً للإستعمار البريطاني.  لكنه كان قد بدأ يرى، بتأثيرمن قراءاته في "المقتطف" و"الجامعة" وفي سواها من المجلات والكتب أن بريطانيا ليست العدو الوحيد لنهضة مصر.  فقد كانت تشاركها في ذلك القوى الرجعية من أهل السياسة ومن المرجعيات الدينية. 

واجهته، في هذه المرحلة المبكرة من حياته، مشاكل عائلية، حين اختلف أعضاء الأسرة على قضايا مالية، أرقته وأتعبت حياته.  فقرر مغادرة مصر إلى أوروبا، لإكمال دراسته الجامعية، معتمداً على ما كان قد ورّثه إياه والده من معاش كان يكفيه لمتابعة تحصيله العلمي في الخارج.  فقصد باريس وأقام فيها عاماً واحداً، عاد بعدها إلى القاهرة.  وبدأ يكتب في جريدة الحزب الوطني "اللواء".  وهناك التقى لأول مرة بفرح أنطون الذي كان قد ترك تأثيراً أساسياً على أفكاره الجديدة.  ونشأت بينهما صداقة حميمة.  لكنه سرعان ما اشتاق إلى باريس فعاد إليها بروح جديدة، وبتصميم على متابعة تثقيف نفسه، متحرراً مما كان يمكن أن تنغلق عليه ذاته لو بقي  في أجواء مصر الملبدة أجواؤها السياسية في ذلك الحين.  كان يشعر بالحاجة إلى التخلص مما كان يعتبره مظاهر جهل لم يكن ممكناً بالنسبة إليه أن يتحرر منها إلا إذا ذهب إلى أوروبا ليغرف منها ومن ثقافتها وعلومها وكنوز الأدب فيها، ما يعمق معارفه، ويفتح الآفاق عنده على الجديد في جميع ميادينه.

إلا أن سلامة موسى يعيد انتماءه إلى الإشتراكية إلى فترة إقامته في لندن بعد باريس.  فيقول في كتاب "تربية سلامة موسى": " ولم يمض عليّ عام في لندن حتى وجدتني أتجه نحو اليسار، أي نحو الإشتراكية.  ولم يكن هذا الوجدان سياسياً فقط.  فقد وجدتني، قبل أن أقرأ ماركس، مشدوداً لقوة الجذب التي كانت عند الإشتراكيين في ناحيتي العلم والأدب.  ذلك أن هؤلاء المجددين في السياسة كانوا أيضاً مجددين في العلم والأدب.  يؤمنون بمذهب داروين، ويؤلفون جمعيات لليوجنية، أي إصلاح النسل.  كما كانوا يقرأون الأدب الروسي ونيتشه وإبسن.  ولذلك أدركتني الإشتراكية في تلك الأيام عن طريق الأدب أكثر مما أدركتني عن طريق السياسة.  وكان "التطور" لا يزال مذهباً أكثر مما كان نظرية علمية.  ولذلك أنفق "العقليون" مجهوداً كبيراً  في المقاومة السلبية للكتب المقدسة بدلاً من أن ينيروا أو يشرحوا حقائق التطور".

إلا أن سلامة موسى يعود فيتذكر تأثره لمرحلة قصيرة من عمره بالفيلسوف الألماني نيتشه.  فيقول:

"وفي تلك السنوات عرفت إبسن ونيتشه وبرنارد شو وولز.  وأذكر أني قضيت ليلة كاملة إلى الصباح وأنا أقرأ نيتشه.  وقد أخذني سحر أسلوبه وجراءة تفكيره. ونيتشه لا يخطو ولا يعدو، وإنما يقتحم ويثب.  ولكني عندما أرجع أيضاً إلى الإستبطان الذهني أجد أني لم أتأثر كثيراً به أو أن أثره كان مقصوراً في سنوات، على الرغم من الحماسة التي كنت أتلقى بها مؤلفاته وأحفظ بها عباراته.  فأنا الآن خلو أو كالخلو من المركبات الذهنية التي أستطيع أن أعزوها إلى نيتشه.  ولكنه غرس في الإقدام الفلسفي وحطم عندي ما كان باقياً من قيود غيبية.  أما مؤلفات داروين مثلاً فكنت أقرأها في عناء التفكير.  حتى كنت أترك الكتاب أياماً أو أسابيع ثم أعود إليه يحفزني إحساس الواجب لا الرغبة.  فلم يكن له في صدري حماسة.  ومع ذلك فهو الباقي الآن في كياني الثقافي.  وكتابي "نظرية التطور وأصل الإنسان" هو إحدى ثمرات داروين.  ولا تزال هذه النظرية تفتق في خلاياي الذهنية، وتحملني على توسع وتعمق في التفكير البيولوجي والسيكولوجي والإجتماعي".

يذكر سلامة موسى بتقدير كبير عدداً من كبار عصره تأثر بهم، وأسهموا في تكوين أفكاره ومواقفه، وحددوا له شخصيته التي صارت بامتياز شخصية الرائد النهضوي سلامة موسى.  وكان من أهم هؤلاء داروين صاحب نظرية التطور وكتاب "أصل الأنواع"، وبرنارد شو الذي جعل منه إشتراكياً، وجعل الإشتراكية ديناً له، وفرويد الذي أدخله في عالم البحث في أعماق النفس الإنسانية، في الوعي الظاهر فيها وفي الوعي الباطن، والبحث في الآن ذاته عن المصادر التي يتكون منها عقل الإنسان، عقله الذي يحدد له أفكاره واتجاهاته ويحدد له شخصيته.

يقول سلامة في كتاب "تربية سلامة موسى" عن برنارد شو بأنه كان صاحب رؤيا في الإشتراكية أعطاها صفة الإشتراكية الإنسانية.  "وهي لا تختلف عن إشتراكية ماركس العلمية.  لكن برنارد شو، لأنه أديب وفيلسوف وفنان، قد جعل المذهب الإشتراكي مذهباً إنسانياً.  ودمغ بالخزي كل من يجهل الإشتراكية أو لا يسعى إليها.  وهو الذي استطاع أن ينشر هذا المذهب بين الأثرياء لأنه أثبت لهم أن أموالهم لا تساوي همومهم وما يتعرضون له من قلق، وأن الإشتراكية إنما جاءت لتغني وتزيد لا لتفقر وتنقص".

ويؤكد سلامة موسى  في الفصل الخاص ببرنارد شو في كتابه "هؤلاء علموني" الأثر الذي تركه فيه هذا الأديب والفيلسوف، فجعله مثله "علميّ الذهن، أدبيّ الوسيلة، فلسفيّ الهدف .. حبّب إليّ الإشتراكية ونقلها عندي من منطق العقل إلى عاطفة القلب.  إنه جعلها ديانتي العملية". ونقل سلامة عن شو أنه قال، قبل وفاته بأيام في عام 1950، الكلمات التالية: "إن بين كل أمة وأمة حرباً باردة.  وبين كل فرد وفرد من أبناء الأمة الواحدة حرباً باردة.  وبين كل إنسان ونفسه حرباً باردة".

وحين يتحدث سلامة عن تربيته العلمية، فإنه يخص بالذكر ثلاثة من كبار علماء العصور الحديثة، ماركس وداروين وفرويد.  يقول في هذا الصدد في كتاب سيرته:  "وقيمة الماركسية في فهم السياسة العالمية والتطورات الإجتماعية والأخلاقية الحاضرة كبيرة جداً.  ولكن لها  قيمة أخرى في فهم التطورات التاريخية.  والمتعمق في دراسة ماركس لا يتمالك من الشعور بأنه هو، لا فرويد، الأساس الصحيح للفهم السيكولوجي.  فإن ماركس أثبت أن العواطف الإجتماعية، أي التي نكتسبها من المجتمع، أكبر قيمة وأبعث على التغيير والتطور، وأثبت في كياننا مما نسميه العواطف الطبيعية.  ولذلك لا يقتصر فضل ماركس على أنه جعل الإقتصاد علماً، لأن الحقيقة أنه جعل كذلك الأخلاق والإجتماع والسكولوجية علوماً.  ولا يستطيع أحد أن يفهم هذه الثلاثة على حقيقتها الفهم الموضوعي إلا إذا كان ماركسياً... داروين وماركس، كلاهما قد غرس في رأسي مركبات ذهنية جعلني أنظر إلى الدنيا وإلى الأحياء في استغراض علمي وتحليل إقتصادي وسيكولوجي.  وعندما أستبطن إحساسي الديني أجد أن بؤرة هذا الإحساس هو "التطور".  وهذا الإحساس الديني هو فهم وممارسة. فإني أفهم أننا وجميع الأحياء أسرة واحدة بما في ذلك النبات، وأن الخلية الأولى التي نبض بها طين السواحل قد جاءت قبل نحو 700 مليون سنة هي عنصرنا الأول.  وأننا ما زلنا ننبض ونتغير في تجارب لا تنقطع.  وأن سنتنا هي لذلك سنة التغيير، وجريمتنا هي لذلك جريمة الجمود."

في متابعة هذه الرحلة مع سيرة سلامة موسى ذهاباً إلى بدايات حياته وأياباً منها إلى المراحل اللاحقة منها، سنجد أن هذا العبقري من بلادنا قد لاقى في مسيرته وفي مواقفه الفكرية الجريئة الإضطهاد والعسف، من دون أن يجعله ذلك يتخلى عن مواقفه وعن مواقعه التي كان يختارها لنفسه بوعي كامل وبعناد وبشجاعة. 

عمل سلامة في الصحافة طوال حياته.  وكانت مساهماته في الصحافة، في بادئ الأمر، في صحف ومجلات لم يكن مؤسساً فيها، بل كان يشارك في تحريرها أو يكتب فيها مقالات أو كان يرأس تحريرها.  وكان من أهم هذه الصحف والمجلات مجلة "الهلال" التي رأس تحريرها من عام 1923 حتى عام 1929.  كما رأس تحرير مجلة "كل شيئ" التي كانت تصدر عن دار الهلال.  وكانت الشروط المفروضة على رئيس تحرير "الهلال" تقضي بأن يؤلف رئيس التحرير في كل عام كتاباً يهدى إلى قراء المجلة.  وهكذا  فقد صدرت لسلامة موسى في تلك الفترة الكتب التالية:  كتاب"أشهر قصص الحب التاريخية" وكتاب "العقل الباطن" وكتاب "حرية الفكر في التاريخ" وكتاب "اليوم والغد" وكتاب "مختارات سلامة موسى" وكتاب "في الحياة والأدب".

إلا أن سلامة أنشأ بعد تركه العمل في دار الهلال مجلته "المجلة الجديدة" في عام 1929. وهي كانت مجلة شهرية.  وأصدر مع هذه المجلة مجلة أسبوعية سماها "المصري".  وقد عطلت السلطات "المجلة الجديدة" أكثر من مرة.  لكنها ظلت تعود إلى الصدور بعد التعطيل، إلى أن توقفت نهائياً عن الصدور في عام 1942.  كما عطلت السلطات مجلة "المصري" أكثر من مرة.  وخلال فترة تعطيل مجلته التحق بمجلة "البلاغ" في عام 1931.  وكان قد أصدر أول مجلة له في عام 1914 هي مجلة "المستقبل" التي لم تعش طويلاً.  وكانت الحرب العالمية الأولى قد انفجرت.  فتنبّأ بأن هذه الحرب ستنتهي بتحطيم معظم العروش في أوروبا وبانهيار الحكم الملكي في مصر.  وعندما صدرت جريدة "أخبار اليوم" في عام 1944 بدأ يكتب فيها، ثم صار عضواً في هيئة تحريرها.  وبقي يمارس الكتابة في جريدة "أخبار اليوم" ثم في جريدة "الأخبار" الصادرة عن الدار ذاتها حتى وفاته في شهر آب (أغسطس) من عام 1958.

ومن طرائف حياته ومعاناته من العسف الذي تعرض له أنه اعتقل في عام 1947 بتهمة إلقاء قنبلة في إحدى دور السينما في القاهرة.

دخل سلامة موسى على امتداد حياته الفكرية والأدبية والسياسية في صراعات وخصومات مع عدد من كبار الشخصيات الثقافية في عصره.  وكان أبرز هؤلاء عباس محمود العقاد.  كما كان بدأ خصومة مع طه حسين ثم أصبح صديقاً له.  التقى مع طه حول التحديث في الثقافة والفكر، والتحديث في المجتمع المصري.  كما التقى معه في ضرورة النهل من الثقافة الأوروبية ومن تجربتها الفذة في اقتحام  الجديد بحزم وإصرار. الأمر الذي جعل أوروبا، كما يقول، تتقدم بسرعة استثنائية عن غيرها من الأمم.  وكان يرى سلامة موسى في قراءته للثورة الفرنسية ولأفكارها أنها أحدثت نقلة نوعية في أوروبا.  إذ أدت إلى فصل الدولة عن الكنيسة.  الأمر الذي جعلها تنشئ دولاً حديثة.  ويربط سلامة، في قراءته للثورة الفرنسية، بين أفكارها وأفكار زعامتها، وبين عصر الأنوار الذي كان فولتير وروسو من أهم عظمائه.  كما ربط بين الثورة الفرنسية وعصر الأنوار من جهة، وبين عصر النهضة في أوروبا، من جهة ثانية، العصر الذي كان يشكل البداية المنطقية لتقدم أوروبا، من خلال القضاء على محاكم التفتيش، وإحداث ثورة في كل الميادين: العلم، والأدب والفن والسياسة.

تعرفت لأول مرة على اسم سلامة موسى وعلى تراثه الفكري والعلمي في عام 1948.  كان ذلك من خلال متابعتي لمجلة "الكاتب المصري"، ولما كان يصدر عن دارها من كتب.  وقد أعجبت بشخصية هذا المفكر الكبير.  وكان إعجابي، في البداية، ينصب على جانبين من فكره.  الجانب الأول هو اهتمامه بقضية التطور وبنظرية داروين، التي كنت قد بدأت أتعرف على بعض عناصرها في ذلك الوقت.  الجانب الثاني هو اهتمامه بعلم النفس.  وقد شغفني كتابه "عقلي وعقلك".  وما زلت أحتفظ بنسخة منه في طبعته الأولى.  كنت في الثامنة عشرة من عمري.  وكنت قد بدأت المرحلة الأولى من انتمائي إلى الإشتراكية، استكمالاً منطقياً لثورة كانت تزداد عمقاً وقوة عندي ضد التخلف السياسي والإقتصادي والإجتماعي والفكري الذي كان يسود عالمنا العربي، في أعقاب المرحلة الأولى من تحرر بلداننا من الإستعمار وسلوكها طريق الإستقلال وبناء دولنا الحديثة.  وهي الدول التي أعاق بناءها كدول حديثة ذلك التخلف الذي كان يسود بلداننا و مجتمعاتنا.  لذلك وجدت في شخص وفكر سلامة موسى ملاذاً لي، أسوة بآخرين من مفكري تلك الحقبة عربياً وعالمياً.

وكنت في ذلك الوقت بالذات معجباً بطه حسين.  وكان برنارد شو ومكسيم غوركي من كبار الأدباء الذين سحروني بأدبهم وبالغنى الفكري في هذا الأدب.  منذ ذلك التاريخ بالتحديد صار لسلامة موسى موقع في حياتي وفي فكري.  ولذلك فإن من السهل عليّ أن أغوص في عالمه الغني والواسع، في الميادين التي كتب فيها وأبدع وأغنى تراثنا الثقافي والفكري والعلمي.  وإذا كنت لم أقرأ كل كتبه، فإنني أستطيع القول بأن عدداً مهماً من هذه الكتب قد احتل مكانه في مكتبتي، وساعدني في تغذية ثقافتي وإغنائها بالجديد والمفيد، بالنظر لما كان لسلامة موسى من إسهام كبير فيه.  لقد تابعت ما كتب عنه في مصر وفي العالم العربي.  وكان من الطبيعي أن يكون من بين من كتبوا عنه عدد من أنصاره وممن تأثروا به، وأن يكون بينهم من لم يكن يتفق معه.  بل إنني وجدت، حتى بين الإشتراكيين المصريين، من شكك باشتراكيته، الإشتراكية الفابية، على دين برنارد شو، أحد مؤسسي الجمعية الفابية في بريطانيا.  لكن أحداً من الإشتراكيين المصريين لم ينكر أن سلامة موسى كان من أوائل الذين أدخلوا الفكر الإشتراكي إلى مصر.  وكان من مؤسسي الحزب الإشتراكي في مصر في عام 1921.  إلا أن هذا الحزب سرعان ما انقسم، وأسس عدد من الذين انفصلوا عنه "الحزب الشيوعي المصري".  ونشب خلاف كبير بين الحزب الجديد وبين سلامة موسى  ومحمد عبدالله عنان، المؤسسين للحزب الإشتراكي.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن سلامة موسى كان أول من طرح فكرة الإشتراكية في مصر حين صاغ رسالته الشهيرة تحت عنوان "الإشتراكية"  وصدرت في عام 1913.  يقول في تقديم هذه الرسالة: "يدعوني إلى كتابة هذه الرسالة الوجيزة كثرة السخافات والغباوات التي تحكى عن الإشتراكية.  فغرضي الأول منها تنوير الرأي العام عن ماهيتها مع بيان أغراض الإشتراكيين في أوروبا وأميركا وذكر مآثرهم في التشريع وما وصلت إليه حالة العمال من الرفاهية بمساعيهم. ولست طامعاً أن تعد هذه الرسالة دعوة للجمهور إلى الإشتراكية، ولا أن تكون سبباً في تأليف حزب أو جمعية، ولكني أطرحها أمام الجمهور القارئ عسى أن تكون خميرة تختمر بها الافكار إلى حين تستعد البلاد للإشتراكية".

في السبعينات من عمره شرع سلامة موسى يستخلص بعض الدروس الأساسية من حياته.  وفي الصفحات الأخيرة من كتاب سيرته "تربية سلامة موسى" يعرف نفسه كما يلي:  " وإذا شئت أيها القارئ، زيادة في التفاصيل فاعرف: 1-  أني أؤمن بالحقائق.  ومن هنا تعلقي بالعلم لأنه حقائق.   2-   وإذا كان لا بد من عقيدة فإني أؤمن بها عندما تكون ثمرة الحقائق العلمية.  فإني أعتقد مثلاً بالمستقبل الإشتراكي للعالم كما لمصر. وأعمل له.  لأن الإقتصاديات العصرية تومئ بذلك.   3 -    وأؤمن بأنه ليس في الدنيا أو الكون أو المجتمع استقرار.  لأن التطور هو أساس المادة والأحياء والمجتمعات، أي أساس الوجود.  وأن الجمود الإجتماعي هو معارضة آثمة من الأشرار لسنن الكون والحياة."

وإذ هو يتجاوز السبعينات قليلاً يطرح على نفسه السؤال الآتي:  "هل أقترب من نهاية العمر؟"  ويجيب عن السؤال قائلاً: "أعتقد أنني ما زلت بعيداً عن هذه النهاية بنحو عشرين أو ثلاثين سنة.   وسوف أتقبل هذه النهاية بطمأنينة كاملة.  ولكنني أحب أن أبقي على شهواتي الذهنية الحاضرة، وأن أنهم إلى الحياة والمعرفة والفهم كما كنت في ماضي حياتي.  وأحب أخيراً أن أموت كما مات الجاحظ وعلى صدره كتاب".   لكن سلامة موسى مات بعد تلك الكلمات التي نطق بها حول تمنياته بالعمر المديد بعد أقل من سنة.  وأذكر، في هذه المناسبة،  أنني كنت في زيارة لمحمد حسنين هيكل في منزله في القاهرة في أواخر عام 1997، لأقدم له كتاباً جديداً كان قد صدر لي.  وتبادلنا الحديث عن عمر كل منا.  وهو يكبرني ببضع سنوات.  قلت له يومها بأنني سأعيش مائة عام.  فضحك طويلاً ثم أخبرني بأنه كان يستقبل سلامة موسى في منزله في أواخر عام 1957، أي قبل لقائنا بأربعين عاماً.  أعلن سلامة لهيكل في ذلك اللقاء بأنه سيعيش مائة عام.  لكنه توفي في العام التالي.  فعلـّقت على ذلك قائلاً:  لكنني مع ذلك ما زلت مصرّاً على أنني سأعيش هذا العمر، ولي برنامج عمل كامل للأعوام القادمة من حياتي .  وتمنيت له أن يعيش عمره كله بعافية وعطاء دائمين.

قد يبدو من هذا الحديث عن سلامة موسى أنه كان قديساً أو ما شابه ذلك، أي أنه لم يعرف الحياة في جوانبها الإنسانية.  وهذا غير صحيح.  فهو قد عرف الحب في بداية حياته، وعرف المعاناة في الحب.  لكنه يعترف أنه فشل في الكثير من مغامراته النسائية.  فاختار الزواج.  وأنجب أولاداً.  وعاش كما يعيش كل الناس.  لكنه لم يتمكن من أن يحقق البرنامج الذي كان قد وضعه للأعوام العشرين التالية من حياته، لأنه فقدها.  غير أن تراثه سيظل ماثلاً أمامنا، وأمام الأجيال اللاحقة لكي تكمل ما كان قد بدأ به هو ورهط من كبار رواد نهضتنا في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين.  ورغم أن المهمة صعبة، كما تشير إلى ذلك أحداث حياتنا الراهنة في كل بلداننا، فإن على أجيالنا القادمة أن تعد العدة لنهضة جديدة تكمل بها ما لم تستطع النهضة السابقة وروادها أن تحققه.  وتتلخص هذه المهمة في الكلمات البالغة الأهمية التي قالها سلامة موسى في كتاب "هؤلاء علموني" في الفصل الذي يحمل عنوان "شو رفيق حياتي".  يقول سلامة موسى ملخصاً ببراعة وبدقة الأسباب التي حالت دون تحقيق نهضتنا، منيراً بكلماته الطريق الذي على أجيالنا الجديدة أن تسلكه من أجل تحقيق هذه النهضة: " مما يستحق الملاحظة أن الأمم العربية جميعها فهمت النهضة على أنها التحرر من الأجنبي المستعمر ومن الوطني المستبد.  فطالبت بالإستقلال والدستور، واعتقدت أن كل شيئ من أمانيها قد تم.  ولكن الأمم الأوربية فهمت النهضة أو النهضات المتوالية فيها على أنها قبل كل شيئ تحرير الضمير البشري.  ففصلت الدين من الدولة.  وكافحت التقاليد.  وتمردت على سلطة البابا وألغتها. واعتنقت العلوم.  ومارست الفنون التي تعمل للتنوير الذهني وللسعادة البشرية.  وهذا ما لم تفكر فيه الأمم العربية إلى الآن مع أنها تحمل من أعباء الظلام ما يرهق الضمائر ويسود العقول".

 

                                                                                 كريم مروة

 

 
مقدمة مقالات كتب و اصدارات اعلام في الثقافة ارشيف للاتصال بنا