كريم مروة
مقدمة
مقالات
كتب و اصدارات
اعلام في الثقافة
ارشيف
للاتصال بنا
اعلام في الثقافة

أبو القاسم الشابي

 

إذا الشعب يوماً أراد الحياة                           فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بـد لليـل أن  ينجلــــي                           ولا بد للقيد أن ينكســ ــر

ومن لم يعانقه شوق الحياة                           تبخـر في جوها، واندثر

فويل لمن لم تشـقـه الحياة                            من صفعة العدم المنتصر

كـذلـك قـالـت لي الكائنــات                            وحدثني روحها المستتر

 

هذه الأبيات من الشعر، التي صارت على امتداد السنين شعار المناضلين من أجل الحرية في العالم العربي، إنما تذكر على الفور لدى سماعها بصاحبها الشاعر التونسي الشاب أبو القاسم الشابي.  هذه  الأبيات، التي يفتتح بها الشاعر قصيدة "إرادة الحياة"، هي من أروع ما ضمه ديوانه "أغاني الحياة".  في هذه القصيدة خصوصاً، وفي أخواتها الكثيرات، تبرز بوضوح الهموم الكبرى التي رافقت الشاعر على امتداد حياته القصيرة.  فقد غادر الحياة في الخامسة والعشرين من العمر،.  وكان الشاعر في الجزء الأخير من أعوام حياته القصيرة أسير مرض عضال ظل يعذبه حتى قاده إلى الموت المبكر.

هموم الشابي، التي عبرت عنها أشعاره، كانت متعددة. إلا أن همه الأساسي، الذي استولى عليه وعلى مشاعره وعلى أفكاره، كان تحرير بلده تونس.. وللتحرير، بالنسبة إليه، معنى يرتبط في ذهنه بحب الحياة.  فتحرير البلاد من السيطرة الأجنبية يعنى عبورها إلى الحرية.  وعندما تصبح البلاد حرة، لدى حصولها على استقلالها، يصبح الشعب صاحب القرار في اختيار طريقة حياته، واختيار الأشكال والصيغ التي تجعل هذه الحياة حقيقية.  ذلك أن الشابي كان، في أشعاره، محباً للحياة بكل المعاني التي يرمز إليها ويعبر عنها العشق الإنساني، باعتبار أن الإنسان هو الأساس في الوجود، والقيمة الأساسية فيه.

ولد أبو القاسم الشابي في عام 1909 في قرية "توزر" في منطقة "الشابية"، التي تنسب إليها عائلته. كان والده محمد بن أبي القاسم الشابي قاضيـاً شرعياً.  أجيز من

 

 

الأزهر بعد دراسة دامت سبع سنوات قضاها في القاهرة.  التحق بعد تخرجه من الجامع الأزهر بجامع الزيتونة.  وحصل هناك على شهادة "التطويع"، بعد عامين من الدراسة في الجامع.  وهي الإجازة العليا للدارسة.  عين قاضياً شرعياً بعد عام من ولادة ابنه أبو القاسم.  وقادته وظيفته "الشرعية" إلى التنقل في العديد من المدن التونسية.  ويشيد عارفو الشيخ والد أبو القاسم بمناقبيته حين كان قاضياً شرعياً.  كما يشيرون إلى وطنيته، و إلى صدق انفعاله بالأحداث التي كانت تشهدها البلدان العربية في المشرق وفي المغرب على حد سواء.  ويقول عنه ابنه أبوالقاسم:"...إنه أفهمني معاني الرحمة والحنان.  وعلمني أن الحق هو خير ما في هذا العالم وأقدس ما في الوجود".

رافق أبو القاسم والده في تنقله في المدن التونسية شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، على امتداد السنوات العشرين من مهمته كقاضي شرعي.  وقد ترك هذا التنقل في المدن التونسية، والتعرف إلى تراث كل منها، وإلى عاداتها، أثراً كبيراً في مدارك ووعي ومشاعر أبي القاسم، ليس فقط فيما يتعلق بامتلاك المعرفة الحقيقية بشعبه وبتاريخ بلده، بل كذلك فيما يتعلق بمعرفته بالجوانب المختلفة من الحياة، حياة الناس البسطاء، والجوانب المختلفة من طباع البشر، والجوانب المختلفة التي تميزت بها الطبيعة في بلده.  وهي جميعها أمور برزت آثارها بوضوح في شعره.  يقول شقيقه محمد في تقديمه لديوان أبو القاسم "أغاني الحياة" حول الأثر الذي تركه فيه هذا التنقل في المدن التونسية: "هذه مراحل من حياة أبي القاسم وشبابه عملت على تضخم تجربته وتدفق شاعريته وازدهار ريشته. أفاد منها الشاعر ما يفيده كل عابر سبيل متيقظ واع، إذا ما استقر بأرض كان ربيبها لا ابنها الأصلي.  فأطلقه هذا المصير من حدود البيئة الضيقة وأكسبه ’تونسية’ إنسانية الآفاق".

في الخامسة من عمره أرسله والده إلى "الكتاب" في مدينة "قابس".  وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره أدخله في "جامع الزيتونة" في العاصمة تونس، الذي كان الوالد ذاته قد تخرج منه قاضياً شرعياً.  ويبدو أن التعليم في جامع الزيتونة، كما يقول بعض الرواة، لم يكن يرضى "أبو القاسم"، وأن شيوخ الجامع لم يكونوا راضين عن مواقفه التي كانت تعتبر بالنسبة إليهم مواقف متطرفة.  إذ هو كان منذ بداية شبابه ناقداً للتقاليد معترضاً على ممارستها وسيطرة أصحابها على المجتمع التونسي.  وهو       ما عبرت عنه منذ وقت مبكر أشعاره.  لذلك فإن تكوّن ثقافته كان خارج جامع الزيتونة، في مكتبة ابن خلدون وفي الندوات الأدبية، وفي الكتب التي كان يـبحث عنها  في كل مكان.   وقد ساعدته طموحاته المبكرة إلى امتلاك المعرفة، وإلى البحث عنها حيث كانت تتوفر له مصادرها.  وصار منذ وقت مبكر صاحب ثقافة واسعة، لا سيما في ميادين الأدب.  فاطلع على تاريخ الأدب العربي وتراثه منذ الجاهلية حتى العصر الحديث.  وتعرف إلى المدارس الأدبية ومدارس الشعر.  واستطاع بجهده الخاص أن يتابع ما كان يصدرمن دواوين شعراء العراق ومصر ولبنان وسوريا وفلسطين، وما كان يصل إليه من أعمال أدبية لأدباء المهجر، وبالأخص منهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي.  بل هو استعان بعدد من أصدقائه الذين كانوا يتقنون الفرنسية والإنجليزية، ليطلع منهم ومعهم، على الآداب الفرنسية والإنجليزية والأوروبية عموماً، وعلى رموزها، وبالأخص لامارتين وبيرون وجوته.  وكان يسعى للحصول على ما كان قد صدر من ترجمات لكبار شعراء تلك البلدان.  لكنه أولع خصوصاً بلامارتين. 

في عام 1927 نال الشابي شهادة "التطويع" من جامع الزيتونة.  لكنه لم يعتبر أن بمقدور تلك الشهادة أن تهيئ له الدخول إلى الحياة.  فاختار الإنتساب إلى كلية الحقوق، تلبية لنصيحة والده.  في تلك الفترة بالذات، وقبل أن ينهي مرحلة دراسته في كلية الحقوق، واجهت الشابي في حياته صعوبات ومآسي.  تمثلت أولى تلك الصعوبات في زواجه من فتاة لم يكن يرغب الزواج منها، لكنه فعل ذلك مرضاة لوالده.  وكان زواجاً فاشلاً، رغم أنه أنجب من ذلك الزواج ولدين.  لكنه كان يحب فتاة منذ مطالع شبابه، لم يتمكن من الزواج منها.  فكان حبه عذرياً.  وحين توفيت خلفت في حياته مأساة، سرعان ما جاءت وفاة والده لتضاعفها.  والمعروف أن "أبو القاسم" كان شديد الحب لوالده، وشديد التعلق به والإحترام والتقدير له، وللدور الذي لعبه في حياته.  لكن تراكم المآسي ظل يلاحق الشاعر الشاب إلى أن افترسه هو بالذات.  فقد أصيب بعد وفاة والده بعام أو عامين بمرض تضخم القلب.  وظل أسير هذا المرض الذي عجز الأطباء عن شفائه منه إلى أن قضى عليه وهو في الخامسة والعشرين من شبابه.  وكان ذلك في عام 1934.

يقول الدارسون لسيرة الشاعر ولتفاصيل حياته، أنه كان، منذ طفولته، ضعيف البنية، نحيلاً.  ويقول البعض الآخر أن مرض تضخم القلب كان رفيقه منذ الولادة.  ويضيف آخرون بأن تنقله مع والده في المدن التونسية، بين الساحل والجبل، أي بين المناخات الطبيعية المختلفة حتى التناقض، ربما يكون قد أثر في بنيته الضعيفة، وساهم في تفاقم مرض تضخم القلب عنده.  وهي مجرد روايات قد تكون صحيحة، وقد لا تكون.  إلا أن ما هو أكيد، في نظر بعض الباحثين، أن ذلك التنقل في المدن التونسية قد وهب الشاعر إمكانية التعرف إلى شروط حياة شعبه في مناطق البلاد المختلفة بين منطقة وأخرى.  كما أتاح له أن يستمتع بالطبيعة المتنوعة في بلده بين الساحل والجبل.  ويبدو أن التمرد على التقاليد، الذي برز في وقت مبكر من حياته، لا سيما في مرحلة دراسته في جامع الزيتونة، هو الذي جعل شعره ينبض بعشق الحياة وحب الحرية.  وكان من مظاهر حبه للحياة وعيه المبكر بحق المرأة في الحرية.  وهو ما عبر عنه في الكثير من مواقفه، وفي الكثير من قصائده.  وهو ما جعل بعض دارسي أدبه وسيرته يعتبرونه مكملاً لقاسم أمين في حمل راية تحرير المرأة.  ويشير الكثير من أشعاره التي تشكل المرأة محورها إلى أن المرأة بالنسبة إليه هي أكثر من أنثى، على أهمية كونها أنثى.  فهي، بالنسبة إليه، إنسان قبل كل شيء.  أي أنها ليست، بالنسبة إلى الرجل، مجرد أنثى، وعلاقة جنسية، وزوجة وأم. ويبدو أنه، وفق ما تحدث عنه بعض دارسيه، كان عاشقاً للنساء، عاشقاً بالمعاني المتعددة التي تتمثل في المرأة.  وقد أشرت إلى أنه أحب فتاة في صباه حباً عذرياً.  وحين توفيت حزن عليها كثيراً.  وظل زمناً طويلاً أسير حبه لها وحزنه عليها.  لكنه لم يكتف بحبها. بل هو أحب أخريات من دون أن يشير إلى تفاصيل ذلك الحب.  وفي أي حال فإن حياته القصيرة ومرضه لم يسمحا له بأن يحدد لنفسه شكل تعامله مع المرأة، تلك التي تزوجها وأنجب منها ولدين، واللواتي يجري الحديث أنه أحبهن من دون زواج.

لكن المهم بالنسبة إلى الشابي هو ما تركه لنا من شعر، وما خلفه شعره، وما خلفته مواقفه في الأدب والحياة من أثر.  ذلك أن "أبو القاسم الشابي" لم يكن شاعراً وحسب.  وهو كان شاعراً كبيراً وصاحب مدرسة خاصة به في الشعر.  بل هو كان أيضاً صاحب موقف ورأي في الأدب وفي الحياة وفي قضايا بلده تونس، التي كانت ترزح تحت نير الإستعمار الفرنسي.  وبهذا المعنى فإن الحديث عن أبي القاسم الشابي ينبغي أن يطال هذه الجوانب كلها من شخصيته.  وهي قد برزت بوضوح في شعره، وفي المقالات التي كان ينشرها حول الأدب والسياسة.  وهي مقالات لم أتمكن من الإطلاع عليها، لكنني قرأت إشارات عنها فيما كتبه عنه الباحثون في أدبه وفي مواقفه السياسية.

غير أن الإنطباع الراسخ عندي وعند الكثيرين من أبناء جيلي هو أن الشابي كان في الأساس شاعر الحرية.  وهذا ما دفعني لافتتاح حديثي هذا عنه بالأبيات التي شاعت وسادت منذ أن أطلقها الشابي حتى أيامنا هذه.  وهي تشير إلى معنى الحرية بالنسبة إليه، وإلى ارتباطها بالشعب، الذي هو المعني بها، وصاحب الكلمة فيها، والقادر على انتزاعها من غاصبيها.  جدير بالذكر هنا أن المرحلة التي نشأ فيها الشابي وعاش حياته القصيرة، كانت حافلة بالنضال من أجل استقلال بلده تونس وتحررها من السيطرة الإستعمارية الفرنسية.  وقد شهدت تلك المرحلة أشكالاً مختلفة من الكفاح من أجل الحرية، بما في ذلك الكفاح المسلح.  وتشكلت منظمات سياسية لتلك المهمة النضالية حملت طابعاً إسلامياً، وقادتها شخصيات إسلامية.  لكنها قمعت جميعها.  ونفي قادتها وسجنوا، وتعرضوا لأشكال مختلفة من العقاب.  ولأن الشابي كان منذ صباه، في المرحلة الدراسية الأولى، وفي جامع الزيتونة، معروفاً بتمرده، وبرفضه لكل القيود على حياة البشر، من تقاليد بالية، ومن خرافات وبدع كانت تعمم باسم الدين ضد قيمه الروحية، فإن الكفاح من أجل حرية شعبه كان واحداً من همومه الكبرى.  بل هو تطلع إلى كفاح الشعوب العربية في المشرق، وتعاطف معها، واعتبرها مكملاً لكفاح شعبه التونسي.

يقول في قصيدة بعنوان "تونس الجميلة"، تعاطفاً مع شعبه، ومع قادة نضاله:

لست أبكي لعسف ليل طويل،               أو لربع غدا العفاء مراحه

إنما عبرتي لخطب ثقيل،                    قد عرانا، ولم نجد من أزاحه

كلما قام في البلاد خطيب                    موقظ شعبه يريد صلاحه

أخمدوا صوته الإلهي بالعســــــــــــــــــــــف أماتو صداحه ونواحه

ألبسوا روحه قميص اضطهاد              فاتك شائك يرد جماحه

وتوخوا طرائق العسف والإر               هاق تواً، وما توخوا سماحه

هكذا المخلصون في كل صوب             رشقات الردى إليهم متاحه

غير أنا تناوبتنا الرزايا                      واستباحت حمانا أيّ استباحه

 

ويوجه غضبه إلى الطغاة في قصيدة بعنوان "إلى الطاغية"، واعداً إياهم بغد آخر.  يقول:

لك الويل يا صرح المظالم من غد          إذا نهض المستضعفون، وصمموا

إذا حطم المستعبدون قيودهم               وصبوا السخط أيان تعلم

أغرّك أن الشعب مغض على قذى         وأن الفضاء الرحب وسنان، مظلم

ألا إن أحلام البلاد دفينة                      تجمجم في أعماقها ما تجمجم

ولكن سيأتي بعد لأي نشورها              وينبثق اليوم الذي يترنم

 

لكنه ما أن يرى أن كفاح شعبه عاجز عن تحقيق أهدافه في الحرية، يوجه، في قصيدة بعنوان "إلى الشعب" صرخة مدوية إلى شعبه.  يقول:

أين يا شعب قلبك الخافق الحساس؟      أين الطموح، والأحلام؟

أين يا شعب، روحك الشاعر الفنان؟      أين الخيال والإلهام؟

أين يا شعب، فنك، الساحر الخلاق؟      أين الرسوم والأنغام؟

إن يمّ الحياة يدوي حواليك                  فأين المغامر، المقدام

أين عزم الحياة؟ لا شيء إلا                 الموت، والصمت، والأسى والظلام

هذه النماذج من شعره التي تعبر عن تعلقه بالحرية، حرية شعبه، وحريته هو، هي التي تركت الإنطباع عنه بأن الأساسي في شعره هو هذا النموذج الصارخ بحب الحرية.

إلا أن الشابي كان شاعراً متعدد الجوانب في شعره، وهي الجوانب المتعددة في شخصيته.  وقد حفل ديوانه "أغاني الحياة" بنماذج من شعره تعبر عن هذا التعدد في شعره.  وقد توزعت قصائد الديوان بين تلك التي يعبر فيها عن حبه، وعن آلامه ومعاناته في الحب، وتلك التي يعبر فيها عن بعض مظاهر الشقاء في حياته، ووفاة حبيبته، وفشله في الزواج، ووفاة والده، ومرضه الذي قاده إلى الموت.

يقول في قصيدة بعنوان "مأتم الحب":

ليت شعري!

أي طير

يسمع الأحزان تبكي       بين أعماق القلوب

ثم لا يهتف في الفجر،     برنات النحيب

بخشوع، واكتئاب؟

ويقول في قصيدة بعنوان "الكآبة المجهولة":

أنا كئيب،

أنا غريب،

كآبتي خالفت نظائرها

غريبة في عوالم الحزَن

كآبتي فكرة مغرِّدة

مجهولة من مسامع الزمن

ويقول في قصيدة بعنوان "أيها الحب":

أيها الحب! أنت سر بلائي                            وهمومي، وروعتي، وعنائي

ونحولي، وأدمعي، وعذابي                           وسقامي، ولوعتي، وشقائي

لكن الشاعر كان مولعاً بالطبيعة، طبيعة بلده تونس، والطبيعة عموماً.  وقد هيأت له ذلك تنقلاته مع والده في مناطق ومدن تونس المختلفة فيها الطبيعة في الأرض وفي السماء، على حد سواء.  وكتب قصائد عديدة يتغنى فيها بالطبيعة وبجمالها وبتنوعها المدهش.  ويقول في قصيدة بعنوان "من أغاني الرعاة":

أقبل الصبح يغني للحياة الناعسه

والربى تحلم في ظل الغصون المائسه

والصبا ترقص أوراق الزهور اليابسة

وتهادى النور في تلك الفجاج الدامسه

هذه النماذج من شعره ليست سوى نتف لا تغني القارئ عن العودة إلى قصائده بكاملها، قصيدة قصيدة، لكي يرى كيف أن شعره يعبر بصدق عن تنوع همومه، وعن غزارة وصدق مشاعره، وعن أفكاره وعن تأملاته وعن هواجسه الخاصة به، وهواجسه العامة التي تتعلق ببلده وبشعبه.  ولعل من المفيد، في هذا السياق، أن نقتطع بعض الأبيات من قصيدة بعنوان "قلت للشعر"، التي يتحدث فيها عن مفهومه للشعر، مواربة، وفي لغة الشعر ذاته.  يقول:

أنت يا شعر، فلذة من فؤادي                تتغنى، وقطعة من وجودي

فيك ما في جوانحي من حنين               أبدي إلى صميم الوجود

فيك ما في خواطري من بكاء               فيك ما في عواطفي من نشيد

فيك ما في مشاعري من وجوم             لا يغنى، ومن سرور عهيد

فيك ما في عوالمي من ظلام                 سرمدي، ومن صباح وليد

فيك ما في عوالمي من نجوم               ضاحكات خلف الغمام الشرود

فيك ما في عوالمي من ضباب              وسراب، ويقظة، وهجود

فيك ما في طفولتي من سلام،               وابتسام، وغبطة، وسمود

فيك ما في شبيبتي من حنين                وشجون، وبهجة، وجمود

فيك- إن عانق الربيع فؤادي-              تتثنى سنابلي وورودي

 

أبو القاسم الشابي الشاعر هذا لم يكن الشعر ميدانه الوحيد للتعبير عن شخصيته وعن همومه واهتماماته.  فقد حاول ذات عام، قبيل وفاته، أن يكتب يومياته في شكل مذكرات.  لكنه توقف عن الكتابة بعد شهر واحد من البدء بها.  وتشير الفقرة التالية من تلك اليوميات إلى مأساوية الوضع الذي كان فيه في تلك الفترة.   يقول الشابي"ها هنا صبية يلعبون بين الحقول.  وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل.  ومن لي بأن أكون مثلهم؟  ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر عليّ ذلك لأن بقلبي ضعفاً!  آه يا قلبي!  أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني.  وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية".

غير أن الشابي لم يكتف بالتعبير شعراً عن آرائه في الشعر وفي الأدب عموماً.  بل هو ألقى في عام 1929 محاضرة في قاعة الخلدونية في تونس العاصمة تحت عنوان "الخيال الشعري عند العرب" عبر فيها عن موقفه من الأدب العربي في كل عصوره.  وكان ذلك الموقف نقدياً إلى حدود المبالغة.  الأمر الذي أثار انتقادات واسعة له.  ووصلت حدة النقد له إلى أنه حين ذهب لإلقاء محاضرته الثانية وجد القاعة فارغة.  فعاد مكتئباً.

لكن ذلك الحادث لم يدعه يتخلى عن التعبير عن مواقفه في النقد الأدبي، لا سيما فيما يتصل بآرائه في الشعر.  يقول في مقدمة ديوانه "الينبوع":

" ... والحق إننا نخطئ كثيراً إذا حاولنا أن نفرض على الشاعر آراءنا وأخلاقنا ومذاهبنا فرضاً.  ولن نجني من وراء ذلك إلا تضليل المواهب الجديدة الناشئة، وسخرية المذاهب الكبرى، السائرة إلى النور.  وليس لنا أن نطالب الشاعر في شعره "بغير الحياة".  و إذا جاز لنا أن نطالبه بأكثر من هذا فلنطالبه بأن تكون هذه الحياة رفيعة سامية، تتكافأ مع ما للشعر من قدسية الفن وجلاله.  ففي الحياة كثير من الحماقات والدنايا، يتعالى الفن عن التداني إليها من سمائه العالية..."

 ويتابع: ".... أن يحرص الشاعر كل الحرص على التعبير عما يدوي في أعماق نفسه من أصداء الحياة، وما يخالجها من وحي هذا الوجود، وعلى ألا يضيع من ذلك شيئاً ما استطاع إليه سبيلاً".  ثم يقول:" إن كل تقصير في ذلك يعد خيانة لأمانة الفن.  فالشاعر لم يوجد إلا ليؤدي رسالة الكون الذي  لا تسكت ألسنة الهواتف فيه. وكلما قصّر الشاعر في أداء هذه الرسالة كان خائناً لرسالته، وغير مخلص لفنه".

 ويضيف بلغة الشعر:

ما الشعر إلا فضاء                            يرف فيه مقالي

فيما يسرّ بلادي                      وما يسر المعالي

وما يثير شعوري                    من خافقات خيالي

هذا هو أبو القاسم الشابي الشاعر الذي ترك لنا، برغم قصر حياته، هذا الإرث الكبير من الشعر، ومن النقد الأدبي، ومن المواقف الجريئة من الحياة والوجود، ومن القضايا ذات الصلة بحرية البشر وحرية الشعوب وحقها في النضال لامتلاك هذه الحرية بكل الوسائل المتاحة.

 

                                                                        كريم مروة

 

 
مقدمة مقالات كتب و اصدارات اعلام في الثقافة ارشيف للاتصال بنا